المعلمة الكبرى للعلوم

مقدمة المؤلف

بسم الله الرّحمن الرّحيم

 

الحمد لله رب العالمين وبه نستعين …

الحمد لله الذي اختص بالكتاب المنزل على خير المرسلين؛ واصطفاه فرقاناً نذيراً للعالمين؛  لا ريب فيه هدى للمتقين؛ أُحكم بالحق وفصلت آياته ذكرى للمؤمنين؛ قرآنا عربيا لعلكم تعقلون؛ لتخرج البشرية به من الظلمات إلى النور بلا عِوج فتشقى؛ ولكن تذكرةً لمن يخشى، وتنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى؛

بلاغٌ للناسِ ما كان حديثاً يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه وتفصيل كل شيء؛

شفاءٌ من الرحمن لكل إنسان؛ و خسارٌ وحسرةٌ على أولياء الشيطان؛

ذِكرٌ مُبارَكٌ لِكل مَثَلٍ بلا مِثْلٍ حتى لو اجتمع الثقلان؛ {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17]

مبينٌ مجيدٌ عَجَبٌ يهدي إلى الرشد؛ مكرم مرفوع مطهر فيه كتب قيمة؛ بشرى وموعظة ورحمة للمحسنين؛

{وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأعراف: 52، 53]

وبَعْدُ:

فإن من محاسن الأيام أن يستمر مغربنا الحبيب في عادته العتيقة؛ من العناية بكتاب الله والعلوم الشرعية والمعارف الإنسانية؛ ويأتي في قمة تلك المظاهر كثرة انعقاد المحافل الكبرى واللقاءات العالية والمؤتمرات السامية؛ حول مائدة القرآن ومدارسة علومه وإحياء هداياته في الأمة …

وفي هذا السياق المبارك؛ قُرِّر انعقاد المؤتمر العالمي لتدبر القرآن الكريم في دورته الثانية بالمملكة المغربية؛ وسط احتفاء عظيم من الدولة حرسها الله ومن المهتمين؛ وفي حضور كثيف ومهيبٍ لنخبةٍ من رواد الدراسات القرآنية وعلمائها في العالم الإسلامي؛ وعلى رأسهم الشيوخ الفضلاء من المملكتين المغربية والعربية السعودية وسائر الأقطار …

لَكَ الحمدُ مولانا على كُلِّ نعمةٍ وَ مِنْ جُملةِ النعماءِ قولى لك الحمْدُ
فلا حَمْدَ إلَّا أَنْ تَمُنَّ بنعمةٍ فَسُبْحانَ مَنْ لا يقوى على حَمْدِكَ العبْدُ

 

إذا كان شكرُ العبدِ للهِ نعمةً عليها منَ اللهِ؛ قَدْ  يَجِبُ الشكرُ
فكيف له بالشكرِ والشكرٌ نعمةٌ وَلَوْ والتِ الأحقابُ  اتصلَ العمرُ

جزى الله خيرا كل من سعى ونظم وأعان وشارك ..

وحرصاً من مجلس إدارة مؤسسة ابن تاشفين للدراسات والأبحاث والإبداع بمراكش؛ فقد اقترحوا عليَّ الاستعجال بإصدار أحد أعمالنا التي تتبناها المؤسسة الكريمة؛ وهو تحقيقنا لكتاب الأقنوم وشرحنا عليه؛ ولأن الكتاب كما يعلم المتخصصون كبيرٌ جداًّ؛ ولا يمكننا لضيق الوقت ولا لعسر تكاليف الطبع المادية والمعنوية؛ أن نوفره في هذا الوقت المتراكم؛ فاجتزأنا منه بعد إلحاح الإخوة الأكارم في المؤسسة؛ بقسطٍ يسير يتعلق بعلوم القرآن وفصل في أصول علم التفسير؛ فأردنا أن يكون هدية لضيوف المؤتمر الكرام ولطلبة العلم الفضلاء؛ وليس هو بالمرتضى عندنا تعليقاً وشرحاً -لحال الاستعجال-؛ وإنما نتشرف بأن يكون لنا فضل إذاعة هذا النظم المبارك بعد أن كان حبيس رفوف المخطوطات والطبعات الحجريات؛

وهذا هو الجديد الذي نقدمه لشيوخنا الفضلاء في علوم القرآن وخصوصاً من كان منهم مهتما بعقد الدورات وبالتنويع في المقررات …

ثم حتى لا يكون جِيدُه عاطلا عما يكشف عن بعض معانيه؛ وبالأخص للطلاب والمبتدئين؛ فقد انتقينا حوله من مختلف الأصول والمراجع والبحوث؛ ما يخدم النظم ويُبين المعنى.

فانتقينا المجيد وعلقنا بالمختصر المفيد؛ لا سيما من دواوين علوم القرآن الأربعة:

-الإتقان للسيوطي

-والبرهان للزكشي

-والإحسان لابن عقيلة

-واللطائف للقسطلاني

فهذه الكتب أمهات لما جاء بعدها، وما قبلها إنما هو بمثابة: كتب الخطيب البغدادي وما قبلها في علوم مصطلح الحديث، أو ما قبل الخلاصة لابن مالكٍ في علوم النحو والصرف؛ و كل الباحثين بَعْدُ عيالٌ عليها؛

ولا ننسى في هذا المقام: مقدمات المفسرين ومناهل الزرقاني؛ مع أن كل علم من علوم القرآن له مصنفات متخصصة يضيق المقام بسردها؛ ويغلب على بعضها النقل من بعضٍ؛ لأن هذا العلم في معظمه نقلي محضٌ ومسائل الاجتهاد والرأي فيه قليلة -إلا ما كان من طوارئ عصرنا ومستجدات شبهات الحداثيين فيه-؛ وبالأخص في قواعده العامة وأصوله الكلية؛ التي ينعقد لها مثل نظم صاحب الأقنوم -الذي ننشره اليوم- بذكر المبادئ التي تنفع المبتدي ولا يستغني عن مدارستها المنتهي؛

وقد أحسن كثير من المعاصرين في تقريب كثير من المباحث وتلخيص كثير من المسائل وتحرير كثير من الإشكالات جمعاً وإفراداً؛ ومنهم شيخنا العلامة البحياوي في المغرب في تشجيره للإتقان؛ وشيخنا العلامة الددو في سلالات العلوم؛ وشيخنا العلامة ولد الخديم في كناشة علوم القرآن وغيرهم ..

ومن الباحثين والعلماء المؤلفين: صبحي الصالح ومناع القطان وعلوي المالكي في الزبدة وفي فيض الخبير والجديع في المقدمات الأساسية وبازمول في ترتيب الإتقان ومساعد الطيار بأبحاثه المهذبة المحررة وخالد السبت في التنكيت على المناهل ومفاتيح التفسير لأحمد الخطيب والوجيز لعلي العبيد وإتقان البرهان لفضل حسن والمفسر شروطه وآدابه لأحمد قشيري ودراسات فهد الرومي وملكة التفسير لشريف العوني …

وغيرهم كثير و كثير جدا؛ وعندنا بحمد الله في الخزانة العامرية عشرات بل مئات المصنفات والكرَّاسات في هذا الباب تقبل الله منا ومنهم؛

وما أنا هنا إلا منتق من كلامهم، ناقل من فوائدهم، مبرزٌ لجهودهم، ملخص لثَرِيِّ أبحاثهم ..

ولا أنسى في هذا المقام الإشادة بالهيئات العلمية التي تُعنى بالقرآن وعلومه؛ كالرابطة المحمدية في المغرب بمؤتمرها العالمي في جهود الأمة في خدمة القرآن الكريم وعلومه -وإصدار بحوثه في خمس مجلدات مفيدة-؛ و كمركزيها الرائدين في هذا المجال:

1-مركز الدراسات القرآنية برئاسة أستاذنا الدكتور العبادي والدكتور الفاضل محمد المنتار ومجلتهم العلمية : “التأويل”.

2- ومركز أبي عمرو الداني بمراكش برئاسة الشيخ المسند الكبير عبد الرحيم النابلسي والشيخ المقرئ المجيد توفيق العبقري ومجلتهم العلمية: “الحجة”.

حفظ الله الجميع وجعل هذا العلم حجةً لنا يوم نلقاه ..

و كذلك المواقع الإلكترونية المفيدة التي قربت الأقصى بلفظ موجز وأنجزت الوعد بضغطةِ زِرٍّ؛ وعلى رأسها مركز وملتقى أهل التفسير ومعهد الشاطبي و كرسي القرآن وعلومه بإصداراته القيمة؛ وغيرها كثير ..

جزى الله خيرا القائمين عليهم خير الجزاء.

وأخص من بينهم فضيلة الشيخين المهذبين الأريبين عبد الرحمن الشهري ومحمد الخضيري؛ و كافة إخوانهم ونشطاء موقعهم ورواده المفيدين.

فأرجوا أن يتقبلوا هذا النظم بقبول حسن وأن يأذنوا لنسج ناشرهِ الهلهل؛ أن يصطف مع مصنفات علوم القرآن؛ ليس لأنه جاء بجديد ولكن لأنه أراد التعلق بأذيال الكبار والتشفع بمصاحبة الصالحين الأبرار:

أنت في الناس تقاسُ بالذي اخترت خليلا
فاصحب الأخيار تعلو وتنل ذكرًا جميلا

ويكفيه شَرَفاً أن يبرز أحد علماء المغرب الأكابر؛ ويُشهر في الناس علمه الغزير وتأليفه اللطيف؛ بعد أن كاد يندرس؛ ولا ينعرفُ إلا عند القليل ؛ ومنه هذا النظم المختصر في علم أصول التفسير؛

والذي حرصنا في التعليق عليه ونقل النقول وتلخيص البحوث حوله؛ أن نعرض معه نظمين يدوران في فلكه ويرتبطان بمتن النُّقاية مثله؛

وهما:

١- نظم العلامة الزمزمي المغربي وقد انتشر أخيرا

٢- ونظم العلامة سكيرج المغربي وهو غير متداول.

وقد تركنا المناقشاتِ والبحثَ في الترجيحات والتوسع في تحرير النقولات؛ إلى الشرح الأصلي الذي اجتزأنا منه هذه المقتطفات -في بضعة أيام نَحْوَ أسبوعٍ-؛ تلبيةً لطلب مجلس إدارة مؤسسة ابن تاشفين و لإسعاف بعض الطلبة الحريصين على حفظ هذا النظم ومدارسته …

فالمؤسسة بحمد الله عازمة على إصدار وإبرازِ هذه المعلمة بإذن الله تعالى؛ محققة مشروحة في كل فنونها وعلومها الشرعية والأدبية والإنسانية والتجريبية؛ لتكون أول موسوعة منظومة مشروحة شاملة في التعريف بالعلوم الدينية والدنيوية؛ وتصدر مع ما يخدمها من تحقيق وتعليق يسهلها للراغبين ويقربها للطالبين؛ فقد طال الحديث حول هذا الكتاب العظيم وحُققت منه أطراف في بعض الجامعات؛ ولا أعلمُ صدر منها إلا كُتَيِّبٌ صغير في علم الموسيقى طبع عندنا بمراكش بتحقيق الأستاذ الباحث المصطفى عرابي، وجزء في علم الحسبة في السعودية ولم أَرَهُ بَعْدُ …

ولا يفوتني -بل ويلزمني- هنا أن أشكر وأترضى عن ذي الخصال النبيلة والفِعالِ الجليلة، ذي الطبع الندِيِّ والقلَمِ السَّمِيِّ والسعْيِ الأَبِي؛ أخو المودة والإخاء وخليل الشدة والرخاء؛ أخي وصديقي فضيلة الشيخ الداعية المرابط حمّاد بن أحمد القباج -نفع الله به وثبتنا الله وإياه-؛ والذي ذاع صِيتُهُ في أهل المغرب منافحاً عن حياضِ السنة ومدافعاً عن قضايا الأمة و كاتباً في شئون الوطن بعلم شرعي متينٍ وأَدَبٍ مرتبٍ رصينٍ؛ فاقَ في رباطِهِ أقرانَه وتخطى فضلُه زمانه ومكانه؛ ما علمته إلا دئوباً في الصالحات كثير البر قليل النوم رابِط الجأش ذكيَّ الفكر موفور الصبر جميل الحلم أَوّاباً متواضعاً؛ خدوماً لإخوانه وطلبته بكل ما أقدره الله عليه؛ وأنا واحدٌ من الناس لا أكتبُ حرفاً ولا أنسج مقالةً إلا ورعاها بعنايته وأحاطها برعايته؛ ومنها هذا “المَجموعُ” الذي لولا فضل الله ثم الشيخ حمّاد لما خرج للمستفيدين وللمفيدين؛ فقد رابط معي سبعَ ليالٍ لا ينقطع إلا لغفوةِ راحةٍ أو لقمةِ استراحةٍ في أدب جمٍّ وعطاءٍ متواصل جزاه الله عني خير الجزاء …

سائلين الله جل في علاه أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، ويختم لنا بالحسنى في الدنيا والآخرة.

والله تعالى أعلى وأعلم.

 

تعليق واحد

  1. هل في إمكانك يا شيخ أن ترفع لنا شرحك على كتاب الأقنوم في مبادئ العلوم ؛ أو ترفع لنا النظم وحده إن كان مطبوعا وشكرا .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *