ترجمة صاحب الفضيلة العلامة الدكتور عادل رفوش (الحلقة الأولى)

ترجمة صاحب الفضيلة

العلامة الدكتور عادل رفوش

الحلقة الأولى

 

قال حفظه الله تعالى:

موجز عن مرحلة الطفولة / ما قبل الرحلة:

الفقير إلى عفو الله تعالى وكرمه:

عادل بن المحجوب بن اليزيد رفوش العروسي السرغيني المراكشي.

ولدت سنة 1976م في مدينة مراكش ..

عاصمة المرابطين وحاضرة العلماء والقراء والأولياء، مدينة جامع الكتبية وجامع ابن يوسف ومدرسته وخزانته ..

ترعرعت داخل أسوارها الشاهقة وبين أبوابها التي تفيض بعبق التاريخ المجيد في كل أشبارها ..

فحفظت القرآن الكريم وأنا ابن اثنتي عشرة؛ بعد أن منّ الله تعالى علي باللحوق بدار القرآن الكريم التي كانت في أوج عطائها؛ بعد أن أرشدني إليها فضيلة الشيخ الخطيب الشاعر الأديب محمد العدناني المراكشي؛ والذي تعرفت عليه في إعدادية “محمد الخامس بروض العروس” ..

فكان يحملني على الاستقامة والتزكية، ويحبب إلي حفظ القرآن وتجويده؛ وهو أول من زين لي الأدب العربي ودربني على قول الشعر وعلمني بحوره؛

وقد كان العبد الفقير يتردد على الشيخ العدناني في بيته، وفي مقر جماعة التبليغ بروض العروس؛ حيث كان يعلمهم القرآن ويشرح لهم بعض الدروس في المواعظ والأحكام؛ فكنت ألازمه وأحضر معهم تلك اللقاءات وتلك المعتكفات التي تعج بأصناف من الناس من كل حدب وصوب؛ حتى قال لي الشيخ العدناني مرة:

“إذا أحببتَ التوجه للعلم وتجويد القرآن فعليك بجمعية الدعوة إلى القرآن والسنة؛ التي يرأسها فضيلة الشيخ محمد المغراوي وإخوانه؛ ففيها ستجد بغيتك في طلب العلم وإتقان القرآن”.

فجاءت مرحلة دور القرآن على رأس مدارس الطفولة التي ترددت عليها؛ بالموازاة مع ترددي على بعض كتاتيب المدينة الحمراء وقراءة القرآن على يد كثير من “مدرسيها” الذين كانت كتاتيبهم منتشرةً؛ ومنها:

كُتَّاب سيدي ابن سليمان الجزولي

وكتاب باب دكالة

وكتاب سيدي أحمد السوسي

وكتاب الجامع الكبير بالمواسين

وكتاب الحاج إبراهيم الأبيض بزاوية سيدي بلعباس السبتي الشهير؛

فكانت تجربة دور القرآن الكريم بمثابة التاج المزين لتلك المرحلة التي غلب عليها الانصياع للأعراف، والحضور دون تقدير، والعمل دون توجيه جاد ..

والمقصود أن هذه المرحلة غلب عليها التردد بين الكتاتيب وبين دور القرآن؛

ثم توجتها بمعتكف في دار القرآن بأسيف استمر حوالي سنة؛ كنت أبيت هناك وأظل؛ أزور أسرتي كل جمعة، وبقية الأيام أحفظ ما اقترحه علي الشيخ المغراوي من متون، بعد أن ألزمني بتحفيظ الأطفال في الظهيرة؛

فجمع لي مجموعة فيها أبناؤه الكرام -ذكورا وإناثاً-، وكذلك من أبناء بعض الشيوخ؛ فكنت أراجع لهم أورادهم كل ظهيرة ..

ولما آنس مني الشيخ عناية بعلوم الحديث، وحفظت البيقونية والنخبة وألفية السيوطي، وقرأت الباعث والمقدمة، وأغرمت بكتب التخريج والإرواء للألباني والهداية للغماري ونصب الراية للزيلعي، وبكتب ابن حجر وكتب التراجم والسير؛ عهد إلي الشيخ بفهرسة أحاديث إحياء علوم الدين وتخريجها على وجه التدريب بين يديه؛ وقال لي: “بهذه الطريقة نبغ العلامة الألباني وصار إمام المحدثين في عصره”.

وأعطاني نسخته الخاصة من الإحياء؛ حمراء في خمس مجلدات مرقمة بالأصفر؛ وأكرمني -جزاه الله عني خير الجزاء- بمائة درهم لأشتري الدفاتر والأقلام ..

فجردت أحاديث الإحياء في نحو شهر؛ فتعجب الشيخ من حرصي وهمتي؛ فقال لي: “لا بد أن تحفظ الأربعين النووية”؛

فقلتُ له: “لقد حفظتها”.

فقال: “إذاً تحفظ بلوغ المرام للحافظ ابن حجر”.

فقلت: “لقد حفظته”!

فقال: “إذا تبدأ في صحيح البخاري؛ تجرد أبوابه ثم تحفظ الأحاديث بلا أسانيد”.

فبدأت ذلك؛ وكنت آتيه للاستظهار كل فجر ببيته في حي أسيف ..

ومن لطيف حرصه على الدعوة؛ أنه كان كثيراً ما يجادل امرأةً عجوزاً من عائلته -أظنها أخته- وكانت ربما تقترف في أورادها الصباحية بعض ما لا يرتضيه الشيخ من أمور البدع التي قد ألِفها بعض العوام؛ فكان الشيخ دائم الصبر عليها والوعظ لها والتعليم والتذكير مع أنها كبيرة السن صعبة المراس!

وكان الشيخ عبد الله ظريف يصحح لي صحيح البخاري في اللوح؛ ويكتبه هو أيضاً فلم أر في تلك المدة من يحفظ البخاري ويكتبه في لوحه كما يكتب القرآن سوى هذا الرجل المبارك؛ وكان هو القيم على دار القرآن الأم بروض العروس مع شيخي المعلم الحازم الأمين السي عبد الله البوغالي، والشيخ المقرئ المجود المتقن أكبوب عبد الكبير، والشيخ المهدي، والشيخ عبد الحميد بابيه، والشيخ المقرئ المسند المتقن صابر -تلميذ الشيخ تميم الزعبي والمقيم الآن في المدينة المنورة للتعليم والإقراء- ..

والشيخ عبد الحي، والشيخ سعيد تهاني، والمقرئ العابد عبد اللطيف أبو جعفر المكي؛ وغيرهم ..

مع وجود دائم لشيخنا البركة الداعية الصالح المرابط: محمد زهرات؛ والذي كان يتردد بينها وبين دار القرآن بأسيف؛ وكان له معنا في روض العروس إضافة لاستظهار القرآن الكريم ودروسه العامة؛ درس أسبوعي خاص -لحوالي سبعة طلاب كلهم كبار السن وعلى رأسهم الشيخ صابر المذكور آنفاً؛ وكنتُ أصغر القوم -صباح كل أحد من الثامنة إلى الظهر في مدارسة سبل السلام للإمام الصنعاني والتعليق على مختصر الصابوني في التفسير ..

وقد كانت تأتي منه علب (كراتين) من الرئاسة العامة للإفتاء بالسعودية بإذن من شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله للتوزيع على الطلبة؛ وكان يومئذ يطبع في ملازم صغيرة كل ملزمة تحتوي مقدار تفسير حزبين من القرآن …

وأما في دار القرآن بأسيف؛ فكنا نسمع عليه القرآن غالبا، وكان من أبرز من أقرأنا فيها: الشيخ احماد ورش، والشيخ محمد جريف، والشيخ المدرس أستاذي الكريم السيد نبيل عليه رحمة الله تعالى ..

وقد من الله علي برفقة كثير من الشباب الطلبة في هذه الفترة ومن أبرزهم فضيلة الشيخ المقرئ الفاضل سمير بلعشية تلميذ صديقنا وقارئ مجلس السبع العامر لفضيلة الشيخ المسند الكبير عبد الرحيم النابلسي حفظه الله ورعاه، والشيخ المقرئ الأديب الأريب عبد الرحمن الزواكي، ومن أبرز من استمر منهم وفتح الله له أبواب الرفعة بالذكر فصار من ذوي الهيئات ببركة القرآن وحسن الخلق وجميل السعي في البلاغ فضيلة الشيخ ذي الصوت السماوي أخي المقرئ المتقن عمر القزابري إمام مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء حفظه الله ووفقه.

وقد كان لأبيه الشيخ الفقيه الصالح أحمد القزابري جميل البركة على تلك المرحلة؛ فكان يحفظنا ويرعانا، ويحملنا على محاسن موروثات المدارس العتيقة في التحفيظ المتقن والعناية باللوح رسماً ووقفاً ..

وكان يزورنا للتعليم والإفادة فضيلة الشيخ العلامة مولاي مصطفى البحياوي، والشيخ المحدث الدكتور آيت سعيد، والشيخ الأصولي الدكتور مولاي أحمد أمحرزي، والشيخ الدكتور المفكر العبادي الرئيس الحالي للرابطة المحمدية للعلماء، والشيخ الفقيه البارع الأديب سيدي عبد السلام الخرشي رحمه الله؛ وغيرهم من أفاضل الأساتذة ونوابغ الشيوخ حفظهم الله وبارك فيمن بقي حيّا منهم ورحم الله أمواتهم.

قبل أن تفرق كلمتهم يد الوساوس الآثمة والظنون الجارحة والبغي الصراح غفر الله لهم أجمعين؛ فما علمتهم والله شهيد إلا أصحاب سنة وغيرة وعلم وخير ..

وفي هذه المراتع ونحن صبية نتغاضى بين هؤلاء الشيوخ الكرام كل بحسب تخصصه وما برع فيه؛ فحفظت معظم المتون المعتمدة في مختلف الفنون الشرعية الشهيرة بعد أن حفظت القرآن الكريم واستظهرته على معظم شيوخ الإقراء في هذه الدور؛ وعلى رأسهم شيخنا المقرئ المجود عبد الكبير أكبوب برواية حفص وبرواية ورش من طريقيه الأزرق والأصبهاني، وبرواية قالون عن نافع بمضمن الدرر لابن بري وكتب المتولي المصري …

وفي بواكير هذه الفترة تعرفتُ على شيخنا الأستاذ المربي الحاج محمد الشرقاوي معلمي الأول؛ درست عليه البيقونية والورقات وكتاب التوحيد وبلوغ المرام ورياض الصالحين وغير ذلك في مسجده الصغير بمراكش وفي مخيمه الصيفي الكبير القديم بآغروض (نواحي أكادير) -قبل أن يشيع عند بعض الطلبة لاحقاً في منطقة البحيبح بنواحي الصويرة-

ورافقت في حفظ القرآن وتجويده وصلاة التراويح به أخاه المقرئ المجود عبد الرزاق الشرقاوي ..

وفي ذلك المخيم كان يزورنا الشيخ الفقيه المحدث: أبو مالك باقشيش؛ أحد نجباء خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ وكان آية في الحفظ، محبا لصناعة الحديث، مهتما بالسيرة، ضابطاً لتفاصيلها العلمية والدعوية؛ فقرأت عليه شرح النخبة للحافظ وحضرت شرحه الموطأ وشرحه على البخاري في مسجده بمدينة آيت ملول -مع بعض نشطاء العلم والدعوة في تلك الفترة بجمعية الإمام مالك التي كنت أنزل فيها وأنا ابن اثنتي عشرة سنة مغترباً فيكرموننا بالعلم والقِرى جزاهم الله خيرا- وغير ذلك من محاضراته وإفاداته؛

فقد كان يزورنا كل ليلة في النشاط المسائي الذي نقيمه كل ليلة للسمر العلمي والتدريب الخطابي بين يدي الشيخين الحاج الشرقاوي والمحدث باقشيش حفظهم الله تعالى ..

ودرست على الشيخ الأستاذ الفاضل عبد القادر دراري نفع الله به؛ واستظهرت عليه “متن الواسطية” في جلسة من أوله إلى آخره؛ فقال لي: “هذه هي بطاقة التعريف الحقيقية”.

ولازمت صديقنا وشيخنا المقرئ المسند توفيق العبقري حفظه الله -وهو من لا يجهل مقامه علماً وأدباً، رجل من أهل القرآن رواية ودراية ثبتنا الله وإياه-؛ قربني من الشيخ العلامة البحياوي؛ فقرأنا عليه الدرر اللوامع وعقيلة الشاطبي في علم الرسم ونخبة المصطلح ..

وحفزنا على العناية بعلوم العربية وعلوم القراءات؛ فبدأت بينهم وعلى أيديهم في حفظ الشاطبية وألفية ابن مالك رفقة بعض “الطلبة المسافرين” ممن أتوا مراكش من بوادي سوس ومدارس القرى العتيقة؛ ومن أبرزهم الشيخ النحوي الدكتور الفاضل علال بن محمد الآسفي المقيم الآن بمكة ..

وعن طريق شيخنا البحياوي وأستاذنا العبقري عرفت باب المخطوطات، وسمعت عن شيوخ مراكش المغمورين؛ كالشاعر الأديب الشرقاوي إقبال والفقيه الفرضي الشيخ رياض الجديدي والعلامة المؤقت ابن عبد الرازق الفلكي أعلى شيوخي المسندين؛

وقد عمر حتى تجاوز المائة بنحو سبع سنين رحمه الله تعالى.

وقد جددت الرواية عنه قبل وفاته بنحو شهر ..

وكان قد تحول من بيته العتيق إلى إحدى الفلل الكبيرة في حي (جيليز)، وهناك كنت أزوره وليس معه إلا خادمة ترعى أدويته، وأبناؤه البررة يتناوبون عليه في أوقات مختلفة كما حدثني ولده البار الكريم، وأتفقد حالته وأرتوي من خزانته القيمة على صغرها؛ رحمهم الله تعالى؛

فضلاً عن شيخنا مفخرة مراكش؛ العلامة المتفنن أبا عبيدة مولاي أحمد المحرزي حفظه الله ورعاه؛ والمقرئ الصالح خريج سيد الزوين شيخنا الحاج بو جمعة بن إبراهيم المكي -لأنه كان يقرئ بابن كثير كثيراً- صاحب كُتَّاب الجامع الكبير بالمواسين رحمه الله تعالى ..

فهذا موجز مختصر معتصر؛ لبعض ملامح مرحلة الطفولة العلمية الدعوية التي امتدت ما بين سنتي 1986 و1990 تقريباً ..

اللهم انفعنا بما علمتنا، واجعله لنا حجة ونورا يا ذا الجلال والإكرام ..”

نسأل الله تعالى أن يبارك في فضيلة الشيخ ويجعل علمه بركة على الأمة

إنتظروا الحلقة الثانية قريبا بحول الله تعالى 

3 تعليقات

  1. حفظك الله شيخنا و نفع بعلمك ..

  2. الحمد لله الذي أحيا الأمة بنور القرآن وجعل لها رجالا يجددون هذا النور ويحفظونه ،وصلى الله وسلم على الحبيب الذي قال . العلماء ورثة الأنبياء ، وحقت لهم هذه الوراثة
    والله إننا لنأسف لحالنا . وأصدقك القول يا شيخي وحبيبي عادل الذي جرني إلى حبك أنك من أهل القرآن و وددت يوما أن أدرس عليك بإذن الله ،فإنه لشرف وتزكية أن أتلقى من في من تلقى عن البيحياوي وأبي عبيدة والمغراوي وايت اسعيد الذي شرفت بالتلقي عنه في الجامعة ،ولكن العلم الحقيقي هو الذي ينبع من مشكاة الحلقات وحبر الألواح و الورقات أما الجامعة فإنما هي تحصيل حاصل ،تأتي بعد الطلب والرحلة والسماع والتحمل ومجالسة العلماء والفقهاء والربايين ، أحسن الله إليك أستاذي ونفع بك وبعلمك . أبكتني هذه السيرة لأني حرمت في صغري من مثل هذا الخير ، ولهذا أستحلفك بالله يا شيخي العزيز أن تدعو بخالص دعائك وصميم رجائك لي بالهداية و التوفيق و الرشاد والثبات على الخير , وجزاك الله خيرا والسلام عليكم

  3. عبدالمجيد لمحمدي

    اللهم بارك ننتظر الحلقة الثانية بفارغ الصبر لعل همتنا أن ترفع
    وخصوصا عندما ذهبتم لموريتانيا حفظكم الله شيخنا الحافظ

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *