اللذة من الإنسانية إلى النورانية

لله دَرُّ أئمتنا الكرام لهم في كل ملحظٍ آيةٌ ولهم في كل آيةٍ عبرةٌ؛ و صدق من قال بأن الكون قرآنٌ منظورٌ؛ و لذا حض عليه القرآن المسطور المحفوظ في الصدور: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون“…
فغريزة الشهوة على ما يكتنفها من مخاطر الانزلاق البهيمي؛ فإنها -والحمد لله عليها- هي سر السعي نحو الآخرة؛ رغبةً في أفق الخلود وطمعاً في الملك الذي لا يبلى؛ وفي الشباب الذي لا يشيخ وفي الأحلام المستجابة و الأماني المحققة ..

لولا غرائز الشهوة بحب المال وحب البنين وحب الرفاق وحب الترفه وحب الزوجة وتعشق اللقاء؛ لما استطاع المرء أن يعيش في شوق إلى حياة اللذة الحقيقية لكل ذلك؛ و لِما هو أطهر منه و أشرق؛ كما قال الغزالي في إحيائه:

(فهي لذة منبهة على اللذات الموعودة في الجنان؛ إذ الترغيب في لذة لا تعرف لا ينفع؛ فَلَو رُغِّب العنين في لذة الجماع أو الصبي في لذة الملك لم ينفع الترغيبُ فيه …)
ثم أشار رحمه الله أن من رحمة الله بنا في غريزة اللذة في لباس الزواج و سكنه؛ أن جعل تحت الشهوة حياتين:

-حياة ظاهرة: حياة المرء ببقاء نسله

– وحياة باطنة: هي حياة الآخرة بقياس ما يفنى من اللذائذ على ما هو باقٍ أبدي؛ كيف تملك اللذةُ العابرة على المرء شعوره وتغمره بالفرح ويسعى لسرورها بكل سبيل مع نقصانها بالانصرام؛ فكيف بأسرة الجنان ولذة الرضوان حيث “إذا رأيت ثَمَّ رأيت نعيماً و مُلْكاً كبيراً
وربنا الحق يعدنا بوعد الحق وكان وعده مفعولاً
فلا تعلم نفس ما أُخْفِي -على قراءةٍ أي أنا ربهم سأفاجئهم-لهم من قُرَّةِ أعينٍ” رجالاً و نساءً مع ذرياتهم و إخوانهم و عائلاتهم …

فلا تظنوا العبادة والزهد في قطع طريق الأنس بما أحل الله وتبكيت النفس إن هامت مع الأهل في أفلاك الغرام؛ بل إن ذلك من أحسن دوافع الانطلاق في ركب العابدين لأنه عبادة بنفسه دال على أنواع من العبادات لمن ألهمه الله حسن الرشد في خلق الله “الذي أحسن كل شيء خلقه“”والذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى

قال ابن عباس : { هداه لمنكحه ومطعمه ومشربه ومسكنه } ..

اللهم احفظ علينا لذائذنا و ارزقنا حسن الانتفاع بها واجعله الوارث منا يا رحيم يا كريم …

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-01-15 at 09.21.50

🌾{غُيوثٌ خَمْسون عن الإمام ابن خَلْدون}🌾

🌾{ غُيوثٌ خَمْسون عن الإمام ابن خَلْدون }🌾   بين نخيل مراكش وتحت هذه المُزْنِ ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *