مشيخة الدكتور (3): العلامة الإمام محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى

قال فضيلة الدكتور:
“شيخنا العلامة الفقيه محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى؛ أكرمني الله باستشراف شخصيته الوديعة من أول كتاب وقع بين يدي له؛ وهو أجزاء صغيرة لفتاواه بعنوان: “المجموع الثمين” في كل جزء حوالي خمسين فتوى؛
قبل أن تجمع في مجلدات كبيرة..
ثم لما رحلت إلى شنقيط وانتظمت في معهد جامعة الإمام في القسم الثانوي كان من جملة المقررات علينا في مادة العقيدة كتاباه الجميلان: “تلخيص الحموية” و”تقريب التدمرية”.
ومن جملة مقررات الفقه في مادة المواريث: كتابه الميسور”تسهيل الفرائض”، مع كتيبه الصغير في أصول الفقه أظنه: “الأصول من علم الأصول”؛
فكان يعجبني حسن تهذيبه وترتيبه والذي أكده لي جماعة من فضلاء مشايخ المملكة العربية السعودية الذين كانوا مدرسين في المعهد السعودي بنواكشوط آنذاك -قبل إغلاقه؟؟- وهم بالعشرات كمديره العلمي الشيخ الدوسري ثم بعده الأصولي هزاع الغامدي ومنهم الشيخ أبو عزام العمري والشيخ ناصر الزهراني والشيخ يحيى الشهري والشيخ أبو زارع الشهري وغيرهم كثير جزاهم الله عنا خير الجزاء؛ من أفاضل الشيوخ والأساتذة والدعاة والمربين المبتعثين إلى العمل خارج المملكة؛ فكانوا يفيدون ويستفيدون علماً وعملاً.
وعن طريقهم عشتُ حياة العلم والدعوة في ربوع بلاد الحرمين قبل الرحلة إليها وتعلق قلبي بمشاهير كبارها قبل الظفر باللقيا والمشافهة؛ وعلى رأسهم شيخنا العلامة ابن باز وشيخنا العلامة ابن جبرين وشيخنا المذكور هنا العلامة ابن العثيمين رحمهم الله تعالى أجمعين …
فلما من الله علي بالقبول في سلك الطلاب الممنوحين للدراسة في جامعة الإمام بالرياض، ثم طرأ ما جعل الوجهة تتغير للقبول في الجامعة الإسلامية بمدينة المصطفى الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه؛ كان من أهم مقاصدي في هذه الحقبة هو تحقيق تلك المُنى بالسعي للتتلمذ واللقا؛
فحظيتُ بلقاء عابر أول عمرةٍ لي سنة 1998م
ثم في رحلة أخرى بعدها قبل الترسيم في الجامعة والتي صادفت حضوري جنازة الشيخ حمّاد الأنصاري رحمه الله وشهود جنازته المهيبة ..
وفي وقتها تعرفتُ على شيخنا عبد المحسن العباد.
ومن البقيع استدعانا لبيته في المدينة مع بعض الزوار المغاربة الشيخ ربيع المدخلي قبل انتقاله لمكة غفر الله له وهداه؛ منهم فيما أذكر الأخ الفاضل إبراهيم زهرات والدكتور الفاضل أبو عبد الرحمن بوجمعة الإمنتانوتي جزاهم الله خيراً؛ في مجريات كثيرة ربما نذكر أطرافاً منها فيما بعد ..
والمقصود هنا أنني كنت أهتم للقاء الشيخ وعلى كثرة من لقينا من أشياخ تلك البلاد فقد كان اهتمامنا به أكثر لسابق الوجدان والاستحسان؛
ثم كان اللقاء العابر الثاني حيث خَص الشيخ الجامعة الإسلامية بزيارة مطولة وصلى بِنَا في مسجدها وأقام في المدينة المنورة أياماً؛ فقلت هذه فرصتي أن أحظى بالشيخ بعد تباعد السنين وتنائي الأقطار؛ ولكن كيف يتحقق ذلك ودونه عشرات الحراس ومئات المستفيدين وآلاف المحبين؛ مع بعض الرسميات أحياناً التي لا تُعاب وإن كانت ترهقنا معاشر الطلاب؛
فلما أن كانت الليلة الخامسة -فيما أحسب- وكان للشيخ مجلس في الحرم النبوي -حيث مجلس شيخنا العباد الجديد -وليس القديم الذي كان عن يمين الروضة -قريبا من خليله شيخنا عمر فلاتة – حيث أدركنا مجالسه في التعليق على النسائي ..-وقد أوقف شيخنا العباد درسه أيامها تقديراً للعلامة ابن العثيمين وإجلالا لمكانه بل كان حفظه الله يحضر بنفسه ويحض الطلاب على التوافد ..
فكان مجلساً مهيباً تكاد به لا تجد موضع قدمٍ في الجانب الشرقي من الحرم النبوي؛ وبقدر فرحي بتلك الليالي ازداد اهتمامي بصعوبة اللقاء المباشر والسؤال عما يعن في الخاطر؛
ثم ألهمني الله أن أكتبَ كغيري ما عنده في ورقة ثم يرسلها بين مئات الأوراق لعلها تجد فرصة في تلك الدقائق التي لا تفي إلا بالقليل على عد أصابع اليدين لضيق طرف الوقت المفرغ للسؤالات على ما هو معروف؛ ولكنني احترْتُ كيف سأسأل أسئلة دقيقة وربما تكون محرجة لأنها تخص بعض آراء شيخنا؛ فهل يصح طرحها أمام العموم وهم مراتب وأوزاع؟
ولربما كان فيه سوء أدب مع الشيخ و لسنا بحمد الله ممن يتعالى أو يتعالم على شيوخه فضلا عن أن يقلل احترامه وأدبه؛ فتقليل الاحترام اخترام ونقص الإجلال اختلال وإذا انعدم الأدب فأبشر بالعطب وسوء المنقلب؛ كذا علمني شيوخ الفقه والسلوك من شيوخي الكرام في بلاد شنقيط ..
وإن أولى من حظي عندي بذاك شيوخ الحرمين رحم الله أمواتهم وحفظ الله أحياءهم وبارك فيهم؛ فجلست أتأمل في الشيخ وهو يلقي درسه وما هي إلا دقائق ثم يحين وقت الأسئلة وأنا لم أكتب شيئا بعد ولستُ بالقريب فأتجاسر ولا بالبعيد فأيأس ..
بل اتخذت منذ الظهر مكاناً وسيطاً لا أبعد عن الشيخ إلا بمقدار خمس صفوف تقريباً؛ ثم خطر لي أن أكتب تلك الأسئلة على طريقة الشعراء بحيث يفهمها الشيخ العالم وتبقى خفية عن غيره؛ فأكون وفياً للأدب غير مفوِّتٍ للفرصة والشيخ إذ ذاك بالخيار؛ فجاءني الآتي وانطلق لساني فجعلتها أسئلة في قصيدة أظنها من البحر البسيط في حوالي عشرين بيتاً في لحظاتِ إلقاء الشيخ درسه -والحمد لله الغني الكريم- ضمنتها جل ما يؤرقني في بعض آراء الشيخ وأذكر منها سؤالاً عن القول بتكفير تارك الصلاة وأنه لا يرث ولا يورث ولا يدفن في مقابر المسلمين؟
وعن قوله في صفة المعية وموقفه من استعمال التأويل بين الإفراط والتفريط؟
وعن إنكاره حديث الجساسة وهو في صحيح مسلم ؟
وعن قوله في القصر والإقامة؟
وعن مسائل أخرى كنت قرأتها في كتبه أو مقرراته أو سمعتها من طلابه أو في أشرطته وتسجيلاته؛
فكتبتها على عجلٍ ثم طويت الورقة وأرسلتها وأنا في ظن بعيد أن تحظى بفرصتها؛ فلما فتح باب السؤالات غبر جل الوقت حتى هممت بالقيام ثم إذا بالقارئ يقول شيخنا هذا “سؤال شعري” كأنه نظم ..
فيجيبه الشيخ بنداوة صوته الفصيح بقوله: “هاته..
هذا جميل”
وأظنه قال: “نحيي سنة حسان رضي الله عنه في مسجد رسول الله ما لم يكن مدحاً لنا”
أو كلاما نحوه فقرأ القارئ أبياتي وأنا أتهيج في مكاني مستحسناً قراءته عاذرا أخطاءه لرداءة خطي وسرعة كتابتي؛ فاستبان الشيخ المعنى ثم طالب أمام الملإ صاحبها بالمثول فاستحييتُ من الشخوص ..
ثم قال كلمته رحمه الله: “هذا سؤال بديع وفيه تفاصيل كثيرة فحبذا لو يأتنا صاحبه جزاه الله خيراً”
ثم ختم به وأقيمت الصلاة …
فلما انتهينا كان الزحام أشد والاكتظاظ أكثر؛ فما حظيت بالشيخ إلا في فرجة مسير حافياً قُبالة البقيع بعد أن عرفتُ بنفسي لمقربين حوله فسمع الشيخ لمح الكلام فتوقف في باحة الحرم مما يلي القبلة ومد يده الكريمة لمصافحتي وجرني إليه بلطفٍ وخاطبني بقوله رحمه الله وأعلى درجته:
“أنت شاعرنا الليلة”..
“ماشاء الله عليك”..
“مثلك ينبغي أن يأتينا في عُنيزة”؛
فقلت: “لبيك شيخي وأنا الأسعد وأنت الأكرم” ..
ثم سرى وهو ممسك بيدي يسألني تارة ويجيب الناس أخرى؛ وذكرت له أني تتلمذت في شنقيط وأن من شيوخي الإمام ابن عدود فزاد من إكرامه لي وسألني عن صحة الشيخ لأنهما كانا على تواصل بحكم وشائج المجامع الفقهية …
فلما قاربنا الفندق دعاني للدخول.
فقلتُ: “إن كان لكم شيخَنا مجلس علم الآن فأنا معكم ولو في العتبة وإن كنتم ستستريحون فما نريد أن نشق عليكم ولا أن نجعل دعاء شيوخنا كدعاء بعضنا لبعض ولا أن نجهر لكم بقول ولا أن نستأنس بحديث خشية أذيتكم”.
فشكر الشيخ أدبي -وهو الواجب- وأكد لي دعوته بزيارته في القصيم مِنْ قابلٍ حين الإجازة الصيفية ففعلتُ ولله الحمد واستفدت من مجالس الشيخ في مسجده وتعرفت حينها بالشيخ خالد المصلح وبالشيخ خالد المشيقح وبالشيخ سامي وغيرهم كثير فقد كان الشيخ قِبلةَ أمم وموئل هِمم؛ ساعده في ذلك حسن اصطباره و جميل انضباطه و تقوىًٰ ظاهرةٌ في محياه و سلوكه ؛ مع ما ورث من الطريقة السعدية عن العلامة ابن سعدي رحمه الله في التيسير والتقريب بتقسيم الأفكار و السؤال والجواب والتفهيم بالتجاوب والخطاب ؛ و لستُ أنسى هنا موقفين:
-الأول : أني وجدته في ناحية في مرتفع مشمس من جهة مسجده جالساً على الأرض غير منتعل -وقد رأيته يمشي حافياً تواضعاً وتسننا وتطببا- وفي يديه كتيب كأنه يذاكر نفسه فسألته متطفلاً؛ فإذا هي متن نخبة الفكر للحافظ ابن حجر!
فقلت له : أو بعد هذه الجلالة شيخنا تراجع هذا المتن الصغير؟
فقال لي : “يا ولدي بغير هذه الصغار لن يوجد الكبار”. فكان منه التواضع وكان لي الإرشاد جزاه الله خيراً …
والموقف الثاني أنه:
من جملة ما سألته عنه مباشرةً عن قول شيخ الإسلام في استحباب الصدقة بين يدي الخروج لصلاة الجمعة وأن الصدقة إذا استحبت بين يدي مناجاة الرسول -بعد نسخ الوجوب- فلأن تستحب بين يدي فرض الصلاة وعند مناجاة العلي الكبير جل جلاله أولى وآكد استحباباً؟
فأخبرني بأنه قول وجيه وأنه كان يقول به ويفعله بين يدي ذهابه للصلاة ؛ ثم رأى شيخنا مرجوحية اختيار ابن تيمية لأنه لم يرد ما يدل عليه عند الصحابة وصالح السالفين.. رحمهم الله أجمعين …
فهذا طرف مما علق بالذاكرة في اتصالي بفضيلة الشيخ رحمه الله سردتُ منه جُذاذةً بدون شرح ولا تفصيل حسب ما يفيدُ السائل جزاه الله خيراً.
وما نحن إلا خلف نرجو أن نكون صالحين وأن نعد في حسنات شيوخنا ونصل حبلهم المصون بالجميل غير ممنون؛ وأن نذكر مآثرهم ترحما عليهم وبروراً بهم لعل الله يرحمنا وييسر من -إن شاء الله- بالدعاء الصالح يذكرنا بعد أن نلحق بهم ويتوفانا وإياهم في الصالحين ..
ورحم الله الإمام أحمد إذ قال ‏فيما سمعه منه الإمام البخاري قال محمد بن إسماعيل البخاري:
سمعت أحمد بن حنبل يقول: “إنما النَّاسُ شيوخُهم فإذا ذهب الشُّيوخ فمع مَن العيش”؟
«معجم أصحاب القاضي الصّفدي صـ ٩١»
والله المستعان وعليه التكلان …

والحمد لله رب العالمين …

شاهد أيضاً

journal

حوار جريدة التجديد مع الدكتور عادل رفوش

حوار جريدة التجديد مع الدكتور عادل رفوش: بتاريخ: دجنبر 2016 (النص الكامل للجواب) السؤال: أستاذ ...

3 تعليقات

  1. عبد الفتاح المرتب

    بارك الله فيك شيخنا الكريم ونفع بك

  2. أدمعت أعيننا…اللهم ارحمه وتقبله في عليين.. زادك الله علما وعملا وجعلكم الله خير خلف لخير سلف … آمين

  3. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته،
    في خضم استغراقي في قراءة جزء من سيرتكم، و تقديري لطريقكم في طلب العلم، إكباركم له و إصراركم على ملاقاة أهله و لزوم مناكبهم، استرعى انتباهي مدى إجلالكم لعلمائم، خاصة فضيلة العلامة ابن عثيمين رحمه الله، مدى تواضعه و خفضه جناحه لطلبة العلم و لعامة الناس. ثم خطر لي أنه قل أن تجد أهل فن من الفنون، أو علم من العلوم، يجلون علماءهم، و يقدرون الحريص من طلبة العلم، بقدر ما يفعل أهل العلم و أهل الطلب من ”السلفيين”. إن لأدبكم لروعة و رونقا يعلق بالخاطر.
    أما قصة القصيدة الأسئلة، فإنها مستوى آخر، و مرتبة رائقة من
    الأدب و حسن الخطاب، تبين حسن ذوق السائل و المجيب، و تجعلك توقن بأن للأدب مراتب لا ترتقى إلا بطول التربية و تهذيب النفس، فيا ليت كل الناس نهلوا من تلكم المدرسة التي تدرجتم فيها.
    ثم إن المقال على حسنه و رونقه يبقي في النفس ترجيا، بأن تتحفونا نحن القراء بتلك الأبيات، إن أسعفتكم الذاكرة بها. و جزاكم الله على مسعاكم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *