هل تخرج زكاة الفطر نقدا ؟

هل تخرج زكاة الفطر نقدا ؟

يكثر السؤال كل سنة عن مسألة إخراج زكاة الفطر بالقيمة و ما زلتُ على قولي في الإفتاء بالجواز تخفيفاً و تيسيراً على المُعطي وعلى الآخذِ؛
مع رعايتنا للأصل وهو الإخراج من قوت البلد كما هو مذهب الجمهور ومنهم إمامنا مالك؛ وأنه ينبغي أن يشيع في الناس هذا الأصل و يحافظ عليها؛ لأن له حِكما لا تخفى وفيه من الاتباع للنص ما لا يحتاج إلى دليل؛ لكن بحثنا في الرخصة لا يناقض الأصل؛ ولا شك أن للأخذ بالرخصة حِكماً أيضاً ظاهرةً جديرة بالاعتبار؛ و قد قال به أبو حنيفة و جماعة من السلف و حكاه أبو إسحاق السبيعي(ت127) عن جمعهم ممن رأى
قال: ” أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام“، أي زكاة الفطر
وكان السبيعي الحافظ شيخ الكوفة ومحدثها، وأدرك جمعاً من الصحابة، كعلي ومعاوية والبراء وابن عباس وابن عمرو رضي الله عنهم.
و هو مذهب الحسن البصري وبه كتب خليفة المسلمين عمر ابن عبد العزيز للأمصار وفرضه “نصف درهم” وهو مذهب الثوري و ذكره الحنابلة رواية مخرجة عن مذهب أحمد بن حَنْبَل ؛ وسئل يحيى بن معين عن إعطاء الدراهم في زكاة الفطر، فقال:” إذا عسر عليه [أي الطعام]؛ فلا بأس أن يعطي قيمة ذلك” وقال مرة: “ لا بأس أن يعطي فضة ” [تاريخ ابن معين].
(انظر مختصراً في المسألة لصديقنا الألمعي فضيلة الشيخ الدكتور خالد المزيني نفع الله به)
ومن وجه آخر : أنهم اتفقوا على جواز إخراجها بالوزن ولا شك أن هذا خروج عن ظاهر النص وهو الكيل بالمكيال في قول رسول الله “صاع من كذا
فحينما يعمل الناس اليوم بالتقريب بثلاثة كيلو غرامات؛ فهو نوع من التيسير ولا حرج فيه وإن خرج عن منطوق النص؛ فإذا جاز في”وحدة الكيل” فلا أرى بأساً أن يجوز التيسير في”المكيل نفسه”فيخرج بالقيمة بجامع التيسير في كلٍّ؛ ما دام الأصل محفوظاً معمولا به غير منسيٍّ ولا معرَّضاً للنسيان ..
ولكن لما رأينا الرجل يخرج من باب بيته فيجد بائع الزرع عنده فيدفع ثمنه عن يمينه ثم يمد المسكين بالزرع عن يساره ثم يدفعه المسكين للبائع مرةً أخرى بثمن أقل؛ و كل ذلك أمام بيت الرجل لم يذهب أحد إلى رحْبةٍ ولم يكل ولم يزن ولم يحمل ولم يحول .. فكان الأنسب والله أعلم العمل بالوجهين الأصل عزيمةً و القيمة رخصةً …
وبالأخص أنها معاملة مالية معقولة المعنى غالباً وليست من الأركان التي يعسر فيها الاجتهاد والتوسع؛ وبالنظر إلى نظائر الباب في الزكاة المفروضة وفي الكفارات وفي الفدى والديات ونحوها؛ نجد أن الشريعة كانت تعمل بالأصل وبالبدل في عامة مسائل الباب مما يشير إلى أصالة مقصدها في وجود التكافل والإغناء ..
ولفظة “الإغناء”على ضعفها من جهة الإسناد مرفوعة غير أنها هي المقصد العام من كل الأحكام المالية التي جاء بها الإسلام إحساناً للمحتاجين كما في ظاهر قوله “إن يكونوا فقراء يغنهم الله” وقوله:”ووَجَدَك عائلاً فأغنى” وقوله “وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله” فحيثما كانت الخصاصة جاء تشريع تكافلي لرفعها عن أهلها بتحصيل الغَناءِ لهم .. بوسيلة أصيلة و بوسائل بديلة بنص أو باجتهاد سائغ معتبر كما في مسألتنا …
ومن نظر إلى تنويع النبي في أنواع المكيلات من بر و قمح و أقط و تمر ؛ لمحَ فيه كما ذكر بعض العلماء اعتبار الأيسر لأهل كل بلد و تفريقا بين البادية والحاضرة فكأنه عدَّد تمثيلاً لا حصْراً ؛ ومنه يؤخذ جواز الاعتداد بالقيمة ويظهر ذلك جلياًّ في المسلمين المقيمين في بلاد الغرب …
وقد أحسن الحافظ أحمد الغماري المغربي في رسالته “تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال”
و هذا ما أراه في المسألة ولا ينبغي التشدد حيث السَّعة فضلا عن التنابز والتوهين حيث إمكان الاعتبار و التحصين والتحسين .. والله تعالى أعلم
وهو ولي التوفيق و عليه التكلان …

شاهد أيضاً

Election

استشارة شرعية بخصوص الانتخابات الأوروبية

استشارة شرعية بخصوص الانتخابات الأوروبية تلقى {قسم الاستشارات} بموقع فضيلة الشيخ الدكتور عادل رفوش حفظه ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *