إلاَّ على الخاشعين الراشدين (مِنٓ الكُلَفِ إلى الكَلَفِ..)

جميل أن تعتقد أن التكليف تكريم وتشريف؛ فهذه الشريعة الغراء لم يتمها لنا ربنا ويكمل علينا النعمة بها ويرضاها لنا دينا قيما لا عوج فيها؛ إلا لتكون نافخة الروح السارية في حياة الكون ..

وإلا فالكون مهدد بالعُدْمِ والعَدَمِ لا محالةَ؛ فمن حصر الشريعة في زاوية ما بأي دعوى؛ فهو لا يعتدي عليها بترك الامتثال؛ وإنما يعتدي على الكون الذي قدر له خالقه نظاماً لا يصلح إلا به؛ تكريماً للمكلفين من الخلق أجمعين؛ لأنهم أضعف من أن يبتدعوا قوانين لتنظيمه إلا في حدود القانون الإلهي العام خَلْقاً وأمْراً شَرْعاً وقَدَراً ..

ومن هنا فالتكليف تشريف وسكينة فكر وطمأنينة كون.

ومهما كان في لفظة التكليف ما يشعر بالشدة والكلفة في التكاليف والحاجة لشيء من التكلف في الاستجابة لها علماً وعملا؛

فإن ذلك لمصلحة الخلق حتى لا تموت معاني الجد والحزم والتعاون، ولكي تتوازن الحياة بين العدل والفضل والرغبة في الجزاء والتنافس في تحقيق الأهداف بدرجات متفاوتة تضمن روح العمل ولذة بلوغ الغايات.

ومن هذا الوجه لا نستطيع أن نقول بأن التكليف “كُلَفٌ” إلا بمعنى وجود المشقة المنعشة للشعور بحلاوة الوصول؛ على حد قولهم: “لا نهاية مشرقة إلا ببداية محرقة”؛

فيكون التكليف بمعنى “الكَلَفِ” أولى وأصدق؛ لأنه فعلا شيء يكلفه من عرف قدره ورفيع آثاره على الحياة؛ فيحبه ويعشقه ويبذل فيه إلا حد الكَلف؛ وهو شدة الحب والولهِ بالمحبوب حتى لا شيء يستولي على ظاهرك وباطنك إلا التواجد معه وإرضاؤه إلى أبعد مدىًٰ ..

وذلك معنىًٰ نلمحه جلياً في قوله تعالى: {واستعينوا  بالصبر والصلاة وإنها لكبيرةٌ إلا على الخاشعين}.

فهي تكاليف ذات كُلفٍ ولكن الخاشعين يَرَوْن في الروح والريحان والكَلف ..

قال خير الخاشعين صلى الله عليه وسلم: “أرحنا بها يا بلال“.

ولنعم الكَلَفُ النبوي: “وجعلت قرة عيني في الصلاة“.

وذلك من أول بعثته صلى الله عليه وسلم حبب إليه الخلاء والتحنث بالتعبد الليالي ذوات العدد في ظلام غارٍ؛ رجلاً وحيداً سيكون الخلق كله فيما بعدُ تبعاً له ..

وكذلك أولياؤه يعيشون الشريعة بالحب وداًّ مع الله تعالى وفي أشد الحب له؛ فحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان: {أولئك هم الراشدون}.

 

الدكتور عادل رفوش

شاهد أيضاً

madkhaliya

مِنْ_تناقضات_المدخلية الداخلية ..

مِنْ_تناقضات_المدخلية الداخلية .. على هامش مقتل سفير روسيا تخرج الطفيليات مرَّةً أخرى لتشبِّه على النَّاسِ ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *