تقديم وتقريظ لكتاب: (المرأة بين الشرع والقانون)

تقديم وتقريظ:

الدكتور عادل بن المحجوب رفوش

لكتاب: (المرأة بين الشرع والقانون للفقيه الحجوي؛ دراسة وتعليق)

بِسْم الله والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه .. أما بعدُ:

فمنذ بعث الله نبيه المصطفى برسالة الإسلام رسالة الحق والفرقان وبلاغ الحكمة والرحمة؛ والعداواتُ لمِثالِيَّتِها مستمرة متصاعدة:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [التوبة: 32]

(كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)[المائدة: 64]

وقد قال الحق سبحانه وتعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) [الفرقان: 31]

فالمدافعة بين الحق والباطل قدرٌ كونيٌّ من كلمات الله التي تمت صدقاً وعدلاً لا يتجاوزهنَّ بَرٌّ ولا فاجرٌ؛ ولا انتهاء للتدافع إلا بقيام الساعة، وهو أيضاً امتحانٌ شرعي بكلمات الله التامات التي يقف عندهنَّ البَرُّ – وان اشتدت- ويتجاوزهنَّ الفاجر؛ عصيانا لربه وجهلاً بواسع علمه سبحانه وبليغ حكمته فيما خلق وفيما شرع ..

وإنَّ من العداواتِ التي اشرأبَّتْ بالشبهات أعناقها، وتعالت بتجاويف التحاريفِ حناجرها؛ هو هذه الحركة العلمانية التي تكاد تملأ أهم الفضاءات التأثيرية من وسائل الإعلام ودواليب صناع القرار وأرصدة هوامير الاقتصاد؛ مما جعل الأمة بصالحي علمائها وولاتها ومواطنيها يجأرون إلى الله من هذا الطوفان الغربي المتطرف الذي يساق إلى البلاد العربية والإسلامية أحياناً على ظهور المنسلخين من أبنائنا عن هويتهم وثوابتهم، وأحيانا على ظهور الدبابات وقذائف الطائرات ظلماً وعدواناً على هذه الأمة المباركة التي تتداعى عليها الأمم جرَّاءَ ما فرطت فيه من مقومات عزتها التي تتمحور حول تمسكها بدينها الذي هو إيمانٌ وجهادٌ، عدلٌ وإحسان، ورجوعها إليه رجوعاً حميداً …

إن العلمانية اليوم وبما تحظى به من دعم الغرب المتسلط الذي جعل من الإسلام عدوه الأبرز رغم كل مساحيق التجميل التي يسوقونها في خطاب التخدير المستهلك في دِهاناتِ العلاقات وبيانات المؤتمرات؛ وقد وجهوا ترسانتهم المتنوعة لاستهداف كل أصوله وفصوله؛ والهدف الأوحد عندهم تفريغ هذا الدين العظيم من روحه وقوته ليصير “مَسْخاً” يلحق بمتاحف الانقراض؛ أو ليكون “تِبْتِياًّ” لا يتجاوزُ الديرَ، أو رهبانيةً لا تخرج من “كنيسةِ يوم الأحد” حيثُ لا أحدَ ولا معنى لقل هو الله أحد الله الصمد!

وقد ركزوا في حرب دمارهم الشامل؛ على مجموعة من القضايا لا تخرج في العموم عن سبعة مناحي:

– 1- محاربة “التدين وبدين الإسلام خاصةً” فهم إنما ينسجمون مع الانحلال والتسيب؛ مع ضرورتهم للتقنين البشري المنحرف..!!

– 2- تحريف القرآن بالطعن في موارد روايته أو مسارِدِ دلالته؛ فأنسنوا نصه وأرخوا فصه، وادعوا فيه الأسطورة والبشرية.

– 3- الطعن في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي سنته والتشكيك في نقلها والتفكيك لمنظومتها؛ فلا يحفظون منها إلا ما يسيئون فهمه تعسفاً أو إلا حديث: أنتم أعلم بأمور دنياكم؛ فكان كعبتهم لتهديم “الكعبةِ” و كُلِّ الحصون ..

– 4- العبادات التي فرضها ربنا على عباده لمصلحتهم في صلاح الباطن والظاهر ولربط العقيدة بالعمل؛ فجعلوا منها طقوساً كالتي عند البوذية وحرفوها تحريفات باطنية بل قالوا منكراً من القول وزوراً ككفريات مصريهم سيد القمامة “القمني” الذي من إلحاداته قوله بأن “الحج هو طقس لتقديس الجنس الجماعي”!

– 5- المعاملات التي هي عقدة العلمانية والغرب، والتي تؤكد رفض الإسلام لمحاولات الإقصاء والاختباء في زوايا الأديرة؛ فكان حاضراً في الاجتماع وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي غيرها؛ بل أكد حضوره العصي عن الشبيه فضلا عن النظير في سبعة أبوابٍ هامة جداَّ؛ هي:

– المرأة

– الأسرة

– الإرث

– الربا

– الخمور

– الحدود

– الجهاد

بمنظومة متكاملة لا تخفى محاسنها على من نظر إليها بغير عشىًٰ ولا عَوَرٍ ولا عمىًٰ …

– 6- الأخلاق:

هذا السياج المتين الذي أرساه الإسلام حمىًٰ للإيمان وبرهاناً عليه؛ فلا إيمان إلا بخلق وأمانة وإحسان مع الجار ومع الحيوان، بل وَمَع المخالف والمُعادي والمحارِب؛ فعمدتْ العلمانية إلى تحليل المجتمعات من كل القيم بدعوى ربطها بناموس التغير والزمن، لا برباط الدين والثوابت ..

 – 7- علوم الإسلام وعلماؤه:

لأنها المنهجية العاصمة من قواصم الشبهات، ولأنهم حراس العلم والفهم من عوادي انتحال المُبطلين؛ فلا إسلام بغير أعلام الصحابة والعُمرينِ وذي النورينِ وذي السبطين؛

وأئمة المذاهب وأصحاب السنن وفقهاء المقاصد وأرباب التفسير أهل الديانة والاجتهاد والتجديد..

فهذه هي أهم جولات المعارك المسعورة من العلمانية المعاصرة ضد الإسلام وأهله من أجل تقويضه وإبعاده؛ وقد جمع كثيرا من طوامهم الشاهدة على عتوهم: فضيلة الشيخ مصطفى باحو ذو الكتابات المفيدة نفع الله به في مجموعه: “العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام”.

وباطلاً ظنوا وقصدوا؛ وذلك لن يحدث أبداً لعدة عوامل من أهمها:

1- أن الله ناصرٌ دينَهُ:

(وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: 38]

2- وأن هذا الدين لا يقبل تكوينُه المتين هذا التهجين المَهين؛ ورحم الله العلامة الطاهر بن عاشور إذ قال:

وكيف يستقيم أن يكون الإسلام شريعةً ثم لا يَكُونُ له حكومة تنفذ تلك الشريعة“. {نقد علمي لكتاب”الإسلام وأصول الحكم”ص25}

3- وأن الأمة مهما مرضت فإنها لن تموت؛ وأن الرجال القائمين بالقسط باقون ما مادامت السموات والأرض.

وإن هذا الكتاب الذي أتشرف بالتقديم له في بواكير أعمال “مؤسسة ابن تاشفين للدراسات والأبحاث والإبداع”؛ لهو أحد الأدلة على ما أشرنا إليه من تهافت المناوئين لدين الله وتهاوي ما به يشغبون على العامة في المحافل؛ وأن الله هيأ في هذه الأمة من يقوم بواجب البيان وحماية الأركان؛ ومنهم فضيلة الشيخ حمّاد القباج الذي يعودُ بِنَا – والعَوْدُ أحمد- ليتحفنا في موضوعٍ صارت له به خبرةٌ وهو في مسائله متخصص؛ أعني قضايا المرأة المسلمة المعاصرة؛ ليضمَّ إلى كتاباته في هذا الباب هذا التحقيق المدروس؛ شارحاً للمشكلات وصادحاً بالمعروف أمام المنكرات..

فإنه لم يختلف من ينتمي لدين الإسلام انتماء حقيقيا؛ أن العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة النفس الواحدة علاقة الشِّقِّية لا الشقاقية؛ علاقة التكامل لا التناحر…

وصدق الله: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) [النساء: 32]

فالمرأة ذات شخصية بمعالمها المتميزة شرعاً وعقلا، وهي بإسلامها الذي أكرمها مستقلة التكليف تأتي رهينة عملها وتعرض على الله فرداً، وهي مساوية على وجه الشقية لأخيها الرجل إلا في الخصائص بينهما؛ وهي معدودةٌ عند الفقهاء بمصنفات، ولها في نظام الأسرة تنشئة وتسييراً دور عظيم، وعليها في ثنايا ذلك حقوق وواجبات؛ بعيدا عن التأويل المتعسف أو التشريح المتحجر.

وهي في الحياة والشئون العامةِ رئيسية المشاركة بلا تهويل ولا تهوين ودون تحلل مما فرض الله من الحجاب سِتْراً ولباساً، ومنَ العفة والحياء زينةً للظاهر والباطنِ، والنهي عن انتهاك المحارم والاستهانة بالعورات …

ولهذا كان الخطاب التكليفي والمتوجه به من الله إلى عباده عاماَّ للخلق ذكراناً ونسواناً، وحينما يسدل ستار الحياة تتوارى الأجساد في الرموس فلا نرى إلا التراب وليس خلف التراب إلا سعادة أو شقاوة.

وهذه هي الحقيقة الكبرى التي ينبغي أن يؤسس عليها البحث في كل الأمور ديناً وكوناً شريعةً وقانوناً؛ بأن نستحضر مبدأ الخطاب و نستحضر نهاية المطاف؛ فإن ذلك معين على السداد في كثير من الأجوبة، وبالأخص عند منْ لم يتحلل من عبوديته ولم ينتكس عن إسلامه ولم يتخلخل عنده وازع الإيمان ولازِمُ التشريع …

ومن هنا كان معنى حديث: كمل من الرجال كثير..”؛ أنه محمول على الكمال المطلق المستوجب لاصطفاء الرسالة لتتحمل أعباء الخطاب الإلهي بالنبوة؛ فهذه الدرجة المطلقة بلغها كثير من الأنبياء وشاء الله أن لا يكون فيها نساء رحمةً بهن؛ ولم يصل لتلك الأهلية – لو قُدِّر أن تُرَشح لها النساء- إلا المذكورات الأربع رضيَ الله عنهن وأرضاهن، وأما الكمال غير المطلق الذي لا علاقة له بالنبوات؛ فما أكثر العالمات والعاقلات والحكيمات في التاريخ وفي الإسلام …

وليس في خلق حواء من آدم ما يدل على ضَعَةٍ؛ وقد خلق الله إبراهيم فرعاً منه وهو أفضل؛ بل ورسول الله محمد نبينا المجتبى فرع عن أبيه عبد الله رضي الله عنه ولم يقتض ذلك دنو الفرع عن الأصل ..

ولله در القائل:

تسمو الرجال بآباء وآونةً تسمو الرجال بأبناءٍ وتزدانُ

ولذا قال الحق: (بما فضل الله بعضهم على بعضٍ).

ولم يقل كُلاًّ على كُلٍّ ..

وقد أحسن غاندي في بعض حكمه إذ يقول: “إن المرأة والرجل كشفرتي المقراض تختلف الواحدة عن الأخرى وتُتم الواحدةُ الأخرى). {نظرات في التربية والاجتماع للدكتور عبد الرحمن البزاز ص56}

وصدق الله ومن أصدق من الله قيلاً إذ قال سبحانه:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 71، 72]

فهذا أصلٌ في الشقائقية بين المرأة والرجل؛ وهو يدل على وقوع الاستثناء عقلاً وشرعاً وواقعاً وضرورة؛ استثناءً يؤكد الأصلَ ولا يبطلهُ ..

وعليه فما كان لمؤمن يرى محكمات الدين والله يقول في مثلها نحو قوله تعالى: (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النور: 1]

فالله أنزل وفرض وحدَّ فلا مُعقب له سبحانه..

ولَّما خَص الله نبيه بخصائص في أمور النكاح قال تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب: 50]

فالله فرض فرائض لا طريق لمحبته إلا بها وهي حدوده التي لا تتعدى؛ فرضها علماً بمصالحنا وحكمةً باللائق لمن خلق ورِفْقاً لا حرج فيه لمن أحسنَ استسلاماً للحكيم الرحيم اللطيف الخبير.

ومن هنا سَلَّم العقلاء بأنْ لا داعي لتحميل الإسلام عثرات الفشل النسوي؛ فمن نظر إلى من يتبنى هذه الدعاوى العريضة من الغرب وأذنابهم العرب؛ لوجد أن وضعية المرأة في المسلمين أحسن حالا على وجه العموم من غيرها حتى في الدول المتقدمة التي تثبت الإحصائيات أن النساء إنما يبتذلْنَ بالاستخدامات المهينة غالباً، وأن المناصب العالية لم يتجاوزن فيها إلى وقتنا الحاضر ولا نسبة 1%!

بل إنهم لا يذكرن في الجوائز العالمية إلا على استحياء – كجائزة نوبل- فلم يحظ بتلك الجوائز بنسبة 99% إلا الرجال!

وأنه قلما حققت النساء ما يستحق التقدير في ذلك عندهم؛ رغم كثرة ادعاءاتهم، اللهم إلا في مجالات أباطيل الشهوات من أفلام و إعلان ورقص وما شابه …

بل إنهم يسلمون تمام التسليم بمبدإ التفريق والتمييز حتى في التافهات كالعطور والسيارات والأقلام ..، ولا يجمعون بينهم في المنافسات الرياضية لا اشتراكاً ولا مواجهةً …

بل إن النساء عبر التاريخ – باستثناء حقب القرون الأولى من تاريخ الإسلام- هن اللواتي ساهمْنَ في هذه النمطية المزرية المتأخرة لكثيرٍ منهن في مختلف الحضارات؛ وقد أنصف أحد الباحثين إذ قال:

“فما كان للرجال جملةً أن يسخروا النساء جملةً في جميع العصور وفي جميع الأمم؛ لولا رجحانهم عليهن وزيادتهم بالمزية التي يستطاع بها التسخير .. وليس ذلك محصوراً في القوى الجسدية كما يقترح بعض القاصرين لأننا نرى كثيرا من الغالبين هم أضعف بدناً مِنْ مغلوبيهم الخاضعين لهم”. {وانظر لهذا المعنى تفسير المنار للعلامة رشيد رضا 5/59}

إذا فالمنصف العاقل لن يخدعه الصياح والنباح بدعاوى الحقوق والتحرير والمساواة؛ لأن الغرض من ذلك عند كثيرين هو محاربة قيم الإسلام وهو تحريف الفطرة وإغراق المجتمع في التحارب الجنسي بين الرجال وبين النساء ليرى كل واحد منهما الآخر عدواًّ أو فريسةً..

وأما ديننا الحنيف كما نجد في ثنايا هذا الكتاب القيم الذي كتبه فضيلة الشيخ المرابط ذو الفكر الثاقب والقلم الرشيق صاحبي وأخي الأستاذ حمّاد القباج حفظه الله ورعاه ووفقه؛ وقد حَلَّى بنقولاته المنتقاة ومقولاته المرتقاة؛ ما كتبه الفقيه الحجوي ابن العلامة الحجوي صاحب الفكر السامي؛ مع ثلة من أرباب العلم والإصلاح في تاريخ المغرب الحديث؛ كالعلامة علال الفاسي والعلامة عبد الله كنون رحمهم الله ..

ليكمل مسيرته المباركة حفظه الله في العناية بأعلام المصلحين المغاربة المعاصرين، بعد أن أحيا الله به مآثر من مفاخرِ شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي.

وبعد أن كان كما عودنا رأساً مثابراً في كل عمل علمي أو دعوي يتولاه؛ فلا تجده إلا حامل أعبائه مؤثراً في ارتقائه؛ وقد عايشته في مراحل دعوية كبرى من مسيرته فكان فيها كما وصفتُ جِدًّا واجتهاداً:

 1- فمرحلةٌ في جمعية الدعوة بمراكش كان فيها أصدقَنا وأنشطنا يشرف على الإعلام ويقوم بجل أهمِّ المهام؛ يكتبُ ويتحدث ويسافر ويحاضر؛ ويستقبل في بيته وينوبُ عن إخوته؛ هو الناطق في اجتماعاتنا المحرر للقاءاتنا المبرز في اختياراتنا؛ نجتمع في العُشُرِ ويتولَّى تسعة أعشارٍ؛ ويفضُلنا في العمل النسويِّ والرباط القلمي؛ فإذا بلغت السفن شط النجاة كان غائباً عن المغانم لا يسألُ عن قائمٍ ولا نائم؛

فكان أزهدنا رغم شدة الابتلاء وأغنانا رغم الخصاصة في كُلِّ الأنحاء؛ فكان السلفي بيننا حقاًّ علماً وعملاً وزهداً وصدقاً – والله حسيبه ولا أزكيهِ على الله – ولا أكتم شهادةً في زمن النكران ولؤمِ الكفران؛ حيثُ تسرق جهود الأفاضل ويرادُ إطمار فضائل الأماثل ويُعادى من حقه أن يُهادَىٰ وإلى أعتابه بالشكرانِ يُتهادى؛ فلا تُخْتلىٰ جهودهم لاغتنام حطامِ الدنيا من مالٍ أو وجاهةٍ أو دِعايةٍ …

2- وهكذا في مرحلةٍ ثانيةٍ مع إخوته الأفاضل في مؤسسة السبيل/هوية؛ فهو أحد أعمدتها منذ الحَبَلِ وإلى الولادة وإلى ساعة النَّجابة – بإذن من يَسْمَعُ الإجابة- هذه؛ حيث تبوأت المكانة المُثْلى في الرسالة الإعلامية الإسلامية الصافية؛ باصطبارٍ بليغ من مُسَيريها في تحمل مختلف التبعات القاطعة والتعثرات المانعة؛ لولا أن الله يعينهم على قطعها بحسن التوكل وجميل التحمل رجاء الفتح من الله وما أكثر فتوحاته سبحانه؛ حفظ الله إخوتنا فيها وسائر الباذلين لهذا الدين كافةً؛ وأخص أخويَّ الكريمين الأستاذين الفاضلين الكاتب المناضل  إبراهيم الطالب والمحرر النبيل نبيل غزال ومن معهما من إخوة التضحية في سبيل كلمة الله العليا جزاهم الله خير الجزاء …

3- ثم جاءت مرحلة مؤسسة ابن تاشفين فكان الشيخ حمّاد على سيرته المعتادة دائماً وبالنَّفسِ نفسهِ وأكثرَ بركةً وأجود نظراً وأغزرَ عطاءً ..

وفي كل تلك المراحل الثلاث البارزة كانت له جهود معطاءة مع أفاضل آخرين ومن أحسنهم سعياً وأبرهم سيرة بالشيخ وأحرصهم على أسباب الخير والرفعة الشاب النشيط تلميذ الشيخ حمّاد وابنه الخَلوق جلال اعويطا المشرف العام على مؤسسة مودة للتنمية الأسرية، ومؤسسة عطاء للأعمال الاجتماعية…

جزاهم الله خيرا ومن معهم أجمعين خير الجزاء وأجزل لهم المثوبة والعطاء …

وها هو الآن – فضيلة الشيخ حمّاد- مرة أخرى وفي عملٍ ذي أهمية بالغة وحساسية مفرطة وآنية عاجلةٍ يعود من جديد ليجمع أكثر مِنْ عَلَمٍ في فقهٍ عملي دقيقٍ؛ يُظهر عظمة الدين ويدرأ عنه كيد الكائدين ويؤكد تميز المغرب الأقصى في التجديد الفقهي والتأصيل النوازلي نُصوصاً ومقاصدَ …

فاعتنى بإبراز كتابٍ ندر تداوله ويعد سابقاً في وضعه؛ وقد قامت الحاجة لإعادة نشره في الناس لمقصدين هامين:

1- أن الموضوع ما زال ذَا تبعاتٍ لا يليق بالعلماء أن يغفلوا في حراسته طرفة عَيْنٍ …

2- ولضرورة دفع المعرة عن فقهاء الشريعة أنهم كانوا بمعزل عن قضايا مجتمعاتهم أو أنهم متقاسعون في التجديد المعتبر والاجتهاد المفروض، أو أن دعاوى الحقوق والاهتمام بقضايا المرأة وليدة الصَّخب العلماني …

بل إن فقهاءنا الكرام في الأعم الأغلب كانوا حماة الحياة قبل أن يكونوا حراسَ الشريعة؛ وهذه نماذج شاهدةٌ من العصر الحديث؛ يمشي فضيلة الشيخ حمّاد في ركبهم المهيب ليؤكد هذا الأصل ولينخرط بعلمه وقلمه وجهاده في سلكِ هؤلاء الكبار الذين سيذكرهم الله ويذكرهم الذاكرون مهما تطاول عليهم السفهاء والمتعالمون والجاحدون…

فهؤلاء هم خير خَلفٍ عن خيرِ سلَفٍ؛ سلفٍ من تاريخ هذه الأمة المجيد حيث كان العالم الرباني الفقيه حاضراً برسالة علمه الإصلاحية في كل باب حيث لا تعوزه المعرفة والأهلية، وإذا عزب عن رأيه شيء فله من عدول المسلمين الخبراء ممن لا يعدم منهم حسن الجواب عند واجب المشورة على ما أصله أئمة الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول:

“وكون “المبيع معلوماً أو غير معلوم” لا يؤخذ عن الفقهاء بخصوصهم، بل يؤخذ عن أهل الخبرة بذلك الشيء، وإنما المأخوذ عنهم ما انفردوا به من معرفة الأحكام بأدلتها، فإذا قال أهل الخبرة أنهم يعلمون ذلك كان المرجع إليهم فى ذلك، دون من لم يشاركهم فى ذلك، وإن كان أعلم بالدين منهم، كما قال النبي لهم في تأبير النخل: “أنتم أعلم بدنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي”، ثم يترتب الحكم الشرعي على ما تعلمه أهل الخبرة”. [الفتاوى، 29/493]

وقد أوضحه تلميذه الإمام ابن القيم رحمه الله بقوله في أعلام الموقعين:

“ليس حظ الفقيه, ولا هو من شأنه, وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك, فإن عدُّوه قماراً أو غرراً فهم أعلم بذلك, وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه, ويحرم كذا لأن الله حرمه, وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة, وأما أن يرى هذا خطراً وقماراً أو غرراً فليس من شأنه, بل أربابه أخبر بهذا منه, والمرجع إليهم فيه, كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيباً أم لا؟ وكون هذا البيع مربحاً أم لا؟ وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا؟ ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية, فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية”. [إعلام الموقعين، 4/5].

ولخصه في بدائع الفوائد بقوله:

(الفرق بين “دليل مشروعية الحكم” وبين “دليل وقوع الحكم”: فالأول متوقف على الشارع، والثاني يعلم بالحس أو الخبر أو العادة..، فدليل مشروعية الحكم: يرجع فيه إلى أهل العلم بالقرآن والحديث، ودليل وقوع الحكم: يرجع فيه إلى أهل الخبرة”اهـ.

وانظر في معناه: ذخيرة القرافي المالكي 10/362 وشرح ابن الهمام الحنفي 6/329 والمجموع للنووي الشافعي 7/100.

وبهذا النوع من الأهلية والاحترازية والترابط الحتمي بين الفقهاء وغيرهم؛ كان العلماء على الدوام بحق أولي الأمر، وهم المرجع الأوحد لمعرفة حكم الله المستنبط فيما يطرأ ويستجد…

وحينما يستيقظ ضمير خصوم الفقهاء فلا بد أن يشهدوا ولو على خجَلٍ بمثل قول عابد الجابري في تكوين العقل العربي ص 99:

“إننا نكاد نجزمُ بأن الجبر العربي يدينُ في وجوده للفقه والفقهاء”.

ولو أزال عن نفسه حجب العلمانية التي سيطرت على لبه لأقر بفضيلة الفقه والفقهاء على البشرية جمعاء بمتواتر الشواهد دون استفزاز بشواذِّ الشوارد؛ ولقال بقول ابن مسكويه (ت421هـ):

“وليس يجوز أن ترد الشريعةُ مِنْ قِبَلِ الله تعالى بما يأباهُ العَقْلُ ويُخالفُهُ؛ ولكن الشاكَّ في هذه المواضع لا يعرف شرائطَ العَقْلِ وما يأباه؛ فهو أبداً يخلطُهُ بالعاداتِ ويظنُّ أنَّ تأبِّيَ الطِّباعِ مِنْ شيءٍ هو مخالفة العَقْل؛ وقد سمعتُ كثيراً من النَّاسِ يتشككون بهذه الشكوكِ وحضرتُ خصوماتهم وجدالَهم فلمْ يتعدَّوا ما ذكرته”اهـ [الهوامل والشوامل ص 354].

نعم؛ نحن لا ننكر أن التاريخ حفظ لنا صفحاتٍ سوداء من أحفاد بلعام بن باعوراء من علماء السوء ممن اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً وكانوا وبالاً على الأمة وعقبةً في الإصلاح ونصراء للمجرمين الكبراء؛ وقد خلتْ فيهم المَثُلاتُ فلا يذكرون إلا بالقبيح …

ولكن الأغلب الأعم أن علماء الأمة عبر العصور كان فيهم القوامون بالقسط الحماة لدين الله ولبيضة الأمة وجماعتنا بالنصيحة وبالبيان وبالاحتساب شعائرَ إصلاحيةًً تتجاوز التعبدات لتتخلخل في المجتمعات؛ وأكدوا بأمثالهم السائرة أن الفقه واقعٌ وأن الفقيه في المجتمع كما في الجوامع؛ وَلَيْسَ مترهبناً في الصوامع؛ فكان إمامنا مالِكٌ يمتحن من يتبايع في السوق بفقه المعاملات عملاً بسنة الفاروق: “لا يبع في سوقنا إلا من تفقه وإلا أكل الربا شاء أو أبى”. (انظر حاشية الرهوني على الشيخ خليل 5/3).

وثبت الله الأمة بأحمد بن حَنْبَل إذ صبر في المِحنة ..

وسعى أبو الوليد الباجي المالكي في الإصلاح بين ملوك الطوائف في الأندلس لكيلا تتفرق الكلمة ..

إذًا فالفقهاء ما وُجِدوا إلا لينذروا ويبشروا كل شرائح قومهم وليس لكي يتقوقعوا أو ليفرنْقعوا أو ليتفرقعوا!!!

بل ينبغي بعد الأهلية أن يستجمعوا أنفسهم عند الله وعند الناس؛ وبالأخص في هذا الزمن حيث تكاثرت الظباء على خراشٍ فتشعبت المسائل وتشغبت الشبهات؛ وقد من الله علينا بعلماء وبمؤلفين لم يتوانوا في متابعة ما يلزم وتبيين ما يَدْلهم؛ وقد ذكر منهم الشيخ حمّاد نماذج مغربية في بابه هذا؛ ويحسن بِنَا أن نشير إلى طرف ممن تولى بيان بعضه في بلاد المشرق ليُعلم أن رحم العلم واصل موصول؛ وأن العلماء مهما فَرَّطَ بعضهم؛ ففي الأمة من يقولون بالحق وبه يعدلون؛ فمن نماذج الدراسات الحقوقية التي نفذها باحثون شرعيون مقارنين ذلك بالفقه الإسلامي ما يلي:

“حقوق وواجبات المرأة في نظام الخدمة المدنيةالسعودي: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي”؛ خالد بنعبدالعزيز الجريد، “حقوق الزوجة في الفقه الإسلامي”؛ عبدالعزيز بن صالح الجوعي.

(حقوق المرأة المتوفى عنها زوجهافي الفقه الإسلامي) عبدالله بن محمد العيسى.

(الحقوق غيرالمالية الناشئة عن عقد الزواج)​؛خالدبنعبداللهالحقباني.

(حقوق الجنين في الفقه الإسلامي) عبدالله بن عبد الرحمن الدويش.

(حقوق الأولاد في الفقه الإسلامي) مسفر بن دخيل العتيبي.

(حقوق الأحداث في الإجراءات الجزائية: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي) محمد بنمعيض الشهراني.

 (حقوق العمال وواجباتهم في الشريعة الإسلامية) علي بن عبدالله الغامدي.

 (حقوق الجندوواجباتهم: دراسة فقهية مقارنة) فهد بن محمد الرفاعي.

 (حقوق المحامي وواجباته: بحث شرعي مقارن) هلال بن علي الراحلة.

 (حقوق الأجنبي وواجباته في نظام الإقامة السعودي: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي) عبدالرحمن بن عياض السلمي.

(حقوق المخترِع: دراسة فقهية مقارنة) منصور بن عبدالعزيز المنصور.

(المتهم وحقوقه فيالفقه الإسلامي) فهد بن سليمان الخليفة، (حقوق المتهم في الشريعة الإسلامية) صالح العقيل، (ضمانات حريةالمتهم في مرحلة الاستدلال: دراسة فقهية مقارنة) عبدالله بن مشبب القحطاني.

(ضمانات المتهم في مرحلةالتحقيق الجنائي: بحث شرعي مقارن) عبدالمحسن بنعلي الفقيه، (حقوق المتهم في مرحلة المحاكمة: دراسة فقهية مقارنة) عادل بن عبدالرحمن المنيع، (ضمانات التحقيقالجنائي مع المرأة: دراسة فقهية مقارنة) عبدالله بنعبدالعزيز الشتوي، (انتزاع الاعتراف من المتهم بالتعذيب،والآثار المترتبة عليه، وتطبيقاته القضائية) عبدالله بنفيصل الفيصل، (أحكام تفتيش المساكن في نظامالإجراءات الجزائية: بحث شرعي مقارن) طالب بنعبدالله بن طالب، (تفتيش الأشخاص في نظام الإجراءاتالجزائية: دراسة مقارنة بالفقه الإسلامي) أحمد بنعبدالكريم العثمان، (أحكام التفتيش الجنائي: بحث فقهي مقارن) عبدالعزيز بن ناصر الفريدي، (حقوق المدعىعليه في مجلس القضاء) بدر بن عبدالله الغامدي، (حقوقالجاني: دراسة فقهية مقارنة) فواز بن ذعار العتيبي، (بدائل السجن: دراسة فقهية مقارنة) حجاب عائضالذيابي، (التعويض عن أضرار سجن الخطأ: بحث فقهي مقارن) إبراهيم بن محمد الحيدر”اهـ بحروفه من ورقة قيمة للدكتور الألمعي إبراهيم السكران نفع الله به في “احتجاجات المناوئين للخطاب الشرعي/مناقشة علمية” وذكر جزاه الله خيراً كيف استوعب العلماء والباحثون بقلم التحقيق والبحث الجاد المستفيض كثيراً من القضايا المعاصرة والغامضة وأنهم ليسوا كما يحلوا للحداثيين لمزهم به من اتهامات باطلة لخصها جزاه الله خيراً في سبعة فقال:

“أولها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالقضايا الحقيقية والفعلية وأسئلة وإشكاليات الناس المدنية، وثانيها: أن الخطاب الشرعي يهتم بالقضايا الشكلية ولا يعتني بقضايا الأخلاق حتى أصبح التدين تديناً مظهرياً وليس تديناً حقيقياً، وثالثها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بالعلوم غير الشرعية بل ويشيع التزهيد فيها وأنه لا ثواب فيها مما أدى إلى تخلفنا في هذه العلوم، ورابعها: أن الخطاب الشرعي لا يعتني بمقاصد الشريعة ومنهج الشاطبي مما تسبب في إغراقه في الحرفية في تفسير النصوص والجزئية في الاهتمامات، وخامسها: أن الخطاب الشرعي منهمك ومشغول في صراعات ومعارك تاريخية طواها الزمن مثل قضايا الصفات والجهمية وخلق القرآن، وسادسها: أن الخطاب الشرعي خلق موقفاً سلبياً ضد الاستفادة من المنجزات المدنية الغربية مما تسبب في تخلفنا المعاصر، وسابعها: أن الخطاب الشرعي مجرد ذيل وتابع للنظام السياسي، وغارق في مديح الولاة والتزلف لهم، فهو أداة يحركها كما يشاء، وليس خطاباً شرعياً مستقلاً”.

ثم فندها ودلل على نقضها ومثل لعشرات الأعمال التي ترسخ مبدأنا هنا في تقرير أن الفقه ليس محله الرفوف ولا الصوامع، وأن الفقهاء يقومون بالدور الإصلاحي المنوط بهم بصورة لا يقوم بها غيرهم من المناوئين الأدعياء ممن لم يرزقوا علماً ولا فقهاً ولا لحقوا بمعاصرة ولا تعتقوا بأصالةٍ!

ورحم الله الإمام الفقيه ابن رشد الحفيد – وبكلامه أختم هذا التقديم المقتضبَ- ؛ إذ يقول رحمه الله في كتاب (الصرف) من بداية المجتهد:

“فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد، إذا حصَّل ما يجب له أن يُحصِّل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة، وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساوٍ لجرم هذا الكتاب أو أقل، وبهذه الرتبة يسمى فقيهاً، لا بِحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظ إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظنّ أن الخَفّاف هو الذي عنده خفاف كثيرة، لا الذي يقدر على عَمَلها، وهو بيِّنٌ أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بِقَدَمٍ لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورةً ، وهو الذي يصنع لكل قدم خفاً يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت” اهـ

فجزى الله عنا فضيلة الشيخ حمّاد خيراً إذ رفع عنا مَعَرَّة التخلف عن عدالة الحملة لهذا العلم الشريف؛ إذ بين في هذا السفر المُجيد حدود ما أنزل الله وما عليه علماء الإسلام ليقطع الطريق بكلمة الحق عن العابثين ممن يبغونها عِوجاً وينتحلون الدين انتحال الإبطال أو الإهمال؛ فكان كتابه هذا جديراً بكلمة أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه فيما رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه: “وما نحن لولا كلماتُ الفقهاء”.

وإن كنتُ أودُّ أن لو اقتصر في دراسته على عُرف المحققين أن لا تتعدى بالنسبة للكتاب الأصل 20%إلى 40%في أضيق الأحوال؛ ولعل خطورة الموضوع ووجازة الأصل المطبوع؛ فرضت على الشيخ حمّاد الخروج عن المألوف في “المقدمات الدراسية” إلى مقصد آخر جدير بالاعتبار وهو جعلها بمثابة الشرح المُلِحِّ لقضاياها التي لا يجزئ فيها الْيَوْمَ عبارات الفقهاء المكتنزة والتي قد لا يدرك مراميها إلا أمثالهم، ثم ندرة المصادر المعرفة بالأعلام المغاربة المعاصرين ونضالهم الحقوقي وحمايتهم للمرأة بالدِّين لا من الدين كما هو ديدنُ العلمانيين…

ولعل في هذين المقصدين ما يحملنا على قبول اعتذار الشيخ حمّاد في ضرورة تطويل الدراسة واعتبار ذلك استثناء لا يخل بالقاعدة إن شاء الله ؛ فجزاك الله عنا خير الجزاء ونفع الله بكتابكم وأجزل مثوبتكم والقارئين والسامعين والمُبَلَّغين؛ وجعلنا الله وإياكم من الفقهاء الربانيين “حكماء حلماء” كما عند البخاري في صحيحه معلقاً؛ وتقبل بالقبول الحسنِ أعمالنا؛ وتوفانا وإياكم في الصالحين.

والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد سيد الخلق أجمعين.

والحمد لله رب العالمين.

 

 عادل بن المحجوب رفوش

الأحد 18 جمادى الآخرة 1437 / 28 مارس2016

شاهد أيضاً

journal

حوار جريدة التجديد مع الدكتور عادل رفوش

حوار جريدة التجديد مع الدكتور عادل رفوش: بتاريخ: دجنبر 2016 (النص الكامل للجواب) السؤال: أستاذ ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *