{عَضُّوا على”الإصلاح السياسي”بالنواجذ}

{عَضُّوا على”الإصلاح السياسي”بالنواجذ}

سررتُ كثيراً بالملف الذي أصدرته جريدة السبيل حول التكييف الشرعي لمسألة مشاركة أهل العلم والدعاة في المجال السياسي والتي نالَ شرَفَ السبق ومثوبةَ الأذى فيها علينا فضيلة الشيخ المرابط حمّاد القباج شكر الله مُقامَتَهُ و رفعَ درجته… ؛ لِما أبانت عليه الجريدة من جهتها من مواكبة للأحداث ومساهمة مشرفة لرفع الوعي ؛ و ما أبان عليه الفضلاء الذي تواصلت معهم في خصوص محاور الموضوع ؛ جودة قلم و لطافة أدب و هَماًّ إسلامياًّ متوهجاً كل ذلك بِنَفَسٍ علمي مُهذبٍ رصينٍ و انتماء وطني رفيع
يؤكد لنا أن وضعية المغرب العلمية تمضي نحو الأحسن بحمد الله تعالى ؛ و أن التحليل الفقهي تجاوز الأبجديات ؛ وصار له نخبة تتكلم باتزانٍ و إنصاف ؛ ليس فيه هرطقات الجاهلين ولا تنطعات الفارغين .. فشكراً لجريدة السبيل و شكراً للأساتذة المشاركين نفع الله بهم أجمعين …
وَمِمَّا آنَسَنِي أَنَّ جُلَّ الكلام تمحور حول اعتبار خلافِ الأولى و ما قاربه ؛ و قد ترفع المشاركون نفع الله بهم عما كان يُشاع عن الإسلاميين من التجريم والتحريم و عدم الاستبصار بما يقتضيه الوقت من تصفية الخطاب و ترقية المضمون …

وقد أَحَالَنِي رُقِيُّ الملف ومشاركِيه الفضلاء إلى الاتجاه المعاكس ؛ حيث بعضُ الرؤى العقيمة التي أساءت إلى العلم وإلى الدعوة ؛ والأمثلة على ذلك تحتاج منا كثيراً من التحليل لإصلاح مواطن الخلل التي عطلت المراكبَ وأوْحلت الأمة و زادت مِن وهنها ؛ ومن ذلك في باب العلم والتأصيل مما يتصل بمسألة المشاركة السياسية : أن بعضاً ممن يتشدقون بموضوع السنة والاعتصام بها ؛ والنهي عن المحدثات والبدع ؛ ويُقَعِّدون -تَعَالُماً واعتداءً على العلم والعلماء- الأصولَ الباطلة للمبتدئين في اللقاءات المغلقة تعميقاً لجهل الأمة وجراحاتها ؛ ويلمزون الملتزمين بذلك حقيقةً علماً وعملاً أنهم للسنة تاركون !! و يتفنن بعضهم في دعاوى اتباع السلف ولزوم المنهج ؛ وأول ما يسردون عليك -و لنعم المسرود والمقصود–ولبئس السارد البارد- حديث العرباض …
َقال الْعِرْبَاضُ بن سارية رضي الله عنه “صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ …”
(رواه أحمد أبو داود والترمذي وقال:حديث حسن صحيح وغيرهم بألفاظ متقاربة…)
ثم يسقطونه على أنفسهم بأنهم بقراءتهم البيقونية ؛ وتعتهاتهم حول الأصول الثلاثة ؛ هم المطبقون لهذا الحديث ! وأن هذا زمانه إذ سقط من سفينة نوحٍ كثيرون !! وأنهم الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق الناجية يوم القيامة !! وأن ما سواهم على ضلال …
ثم يتوسعون في ظلم هذا الحديث العظيم فيستدلون به -باستدلال مقلوب لم يرَ في التاريخ مثله- ؛ على وجوب الإعراض عن الإصلاح السياسي والمشاركة الإيجابية في شئون المجتمع ؛ بهذا الحديث العظيم ..
و ربما اجتزؤوا بعض أدلة العزلة والزهد وانتظار المنية في دوامة من الأغاليط عفا الله عنا وعنهم ؛ مع أنها عليهم لا لهم ؛ وهذا الحديث دليل ؛ ناطق صارخ في وجوههم ؛ بأن أهم أبواب مراعاة السنة واتباعها ؛ وأن أشر البدع ومحدثاتها ؛ هو ما يتعلق بباب السياسة ؛ و ما يرتبط بصلاح الدولة والمجتمع ؛ فهذا أهم مجالات الاتباع والاعتصام بالإيجاد والتسديد ؛ وأن شر البدع ما يكون فيه من محدثات التقنين والتحكيم …
فالحديث صريح في أن”الشأن السياسي” أخطر الأبواب تأثيراً قوة وضعفاً على عموم الناس الحاكم والمحكوم ؛ وأن الأمة ينبغي لها أن تحرص على تحقيق التوافق والاستقرار فيه ؛ وأن تلزم الطاعة والشورى المقترِنين بالمعروف والنصيحة ؛ في تدبير اختلافاتها وإدارة أزماتها ؛ وأن تتحاشى ما استطاعت مظاهر الاختلاف السياسي وأسبابه ؛ التي ستنتشر فيه و بسببه أكثر من غيره من الأبواب ؛ وإذا كان الأمن والاقتصاد أهم مقومات الاستقرار السياسي ؛ فإن الدين يبقى هو الموجه العام للسياسة بكل أنواعها الاجتماعية والاقتصادية والأمنية ؛ وأن الاتباع الحقيقي والاعتصام الصادق بالشريعة هو بإصلاح تلك الاختلافات والاختلالات في كل مجالات السياسات ؛ في ضوء مظلة الكتاب والسنة والهدي النبوي الذي خط الخطوط وأسس الأركان للبناء والنماء بالميزان والإحسان بالحديد وبالقرآن وترك للناس حرية الاختراع بالإقناع أو بالاقتراع ونحو ذلك؛ وأن في هدي السلف وهو بالأساس هدي الأمة الراشدة زمن اجتماعها واتحاد كلمتها ؛ ما يثري رصيدهم الفقهي وتقييمهم العملي لكل مرحلةٍ وفي كل زمنٍ ..
وأن شر البدع و أسوأ المبتدعة من كان في هذا الباب بليدا وعن الإصلاح فيه شريداً..
والمقصود أن هذا الحديث العظيم إرشاد عظيم و حث كبير منه صلى الله عليه وسلم بوجوب الاهتمام بالمجال السياسي تحقيقاً للمصالح و تنقيصاً من القبائح ؛ الذي عليه مناط أعظم مقاصد الشريعة وهو اجتماع الكلمة و وحدة الأمة﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ ؛ و ليس كما يُظن عند بعض المبتدئين بحصره في بدع عملية فَرْدية أو جزئية ؛ كثيرٌ منها يرجع لفروع فقهية قد تكون سائغة الخلاف وداخلة في الاعتبار ؛ بل هو حديث جليل يؤسس للسنة بحق ؛ وهي : ما تعلق بمُلْك الله و حكمه ؛ وللبدعة وهي : ما ارتبط بالكفر وشعبه ..
ولذلك دائما أكرر وأقرر لطلابي كلمتي :
(( الدينُ هو السياسة الأعم ؛ والسياسة هي الدينُ الأخص ))
وهذا المعنى يتأكد مدلوله بأثر عظيم عن ابن سعود يبين أن الكيد للإسلام هو رأس البدع؛ وأن مقاومة هذا الكيد هو من علامات أولياء الله تعالى ؛ الذين يدفعون عن شريعة الله تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين .. قال رضي الله عنه :
«إن لله عند كل بدعة كِيدَ بها الإسلامُ ؛ ولياً من أوليائه يذب عنها، وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله» . قال ابن المبارك : وكفى بالله وكيلا. [البدع والنهي عنها لابن وضاح (4)] و تأمل معي أيها القارئ الكريم قوله رضي الله عنه بعد ذكره الكيدَ و الذبَّ ؛ أنه حفز الناس على مواجهة ألوان المكائد ضد الإسلام في كل المجالات ؛ وأن هذا هو حقيقة النهي عن البدع التي هي ضلال وإضلال ؛ سواءً في الفكر أو الإعلام أو السياسة أو العبادة او العمل ؛ فكلها مواطن يلزمُ الأمةَ المُصْلِحَةَ الحضورُ فيها فرادى وجماعات ؛
إذ قال رضي الله عنه : فاغتنموا حضور تلك المَواطن، وتوكلوا على الله
ولله در راويه ابن المبارك إذ علق على وصية ابن مسعود بالتوكل الذي ينبه به على عِظَم المسئولية وشديد الابتلاء فيها ؛ فقال ابن المبارك مواسياً للمناضلين مشجعا للمرابطين و مبشراً لهم بأن الله معهم إن هم دخلوا الأبواب واستعانوا بالوهاب..
وكفى بالله وكيلاً “…
رضي الله عنهم أجمعين لنعم السلف
لجعلنا الله من خير الخلف …
ولست هنا-عياذا بالله-مخرِجاً لبقية السنن أَو نافياً لعموم البدع ؛ بل أنا هنا أُرجع الحق إلى نصابه ؛ لأقدم ما حقه التقديم ؛ و نبرز المنطوق الأولى من المفهوم ؛ و لآخذ بالأصل الذي غيره له تَبَعٌ … حتى لا يعتدي أحد على السنة بما هي منه براء ؛ولا يدعي على السلف بما هو غريب عن منطوق الوحي والهدي … فأهْلُ الإصلاح الشامل ومنه الإصلاح السياسي-على لأوائه وتحدياته واشتباهاته-هم أهلُ الاتباع الحق للسنة وللسلف ؛ وهم المحترزون من البدع والمحدثات في أخطر مكونات الفكر والمجتمعات ؛ وهم المجاهدون بصدق إذ يقتحمون فيُصابون ؛ وقد لا يَسْلمونَ وهم على الجمر يُمسكون ؛ و لكن لمثلهم تتضاعف الأجور و تعلو الدرجات … فسنن الإمامة وسياسة الأمة هي أعلى السنن ؛ والمحدثات فيها هي أشر البدع ؛ فكن سنياًّ بإصلاح السياسة ؛ ولا تكن بدعياًّ بتركها للمفسدين والجاهلين والمُخَرِّفين ..
وهذا هو الذي يتماشى مع مفهوم الجهاد الدعوي و الصبر على منازل الأنبياء “إنما أجرك على قدر نَصَبِك” ؛ حيث تلج المعتركات الصعبة بسلاح العلم لتُقوِّم الفكر و ترشد الناس بالحسنى وبالحجاج الأحسن ..
أما سُنَن الولائم و بدع الجنائز فهذا باب من الأبواب ؛ و هو هين ليس فيه كبير ارتياب ؛ وليس فيه مشقة ولا صعاب ؛وهو على أهميته ربما كان عند بعضنا من تَرَف الدعوة و طُرَفِها بِمؤانسة الأصحاب وتضييع الأحقاب وتخفيف الأسباب …
فهذا النبي المجتبى قدوتنا وأسوتنا ؛
يهتبل فرصة خشوع الصحابة؛وانكسار قلوبهم بدموع العيون ؛ فلا يحفزهم إثره إلى صلاة ليلٍ ولا إنفاق مال -ولَنَعِمَّا هي-
بل يوجههم هذا التوجيه السياسي لما هو أعم و أهم ولا تعارض بحمد الله -إلا في قلوب العاجزين- ؛ ويجعل صلى الله عليه وسلم ثمرة تلك الموعظة البليغة الوَدَاعِية التي اختار لها وقتَ انبلاج الفجر كما في بعض طرق الحديث أنه صلى بهم صلاة الصبح ثم وعظهم بعدها ؛حيث النفْس في أنقى صفائها فاقشعرت الجلود لها.. :
فكانت الوصية النبوية “هي :بعنوان :رعاية الإصلاح المجتمعي”الذي ينبغي على الصحابة الحرص الشديد على نظافته والتمسك المتين بمعالم الهدى فيه ؛
وإلا فالتساهل والتخاذل فضلاً عن الغياب والتباعد هو خلاف العض بالنواجذ الذي وصى به الرسول الناصح الأمين ؛ وهو كنايةٌ عن التمسك بكل وسيلة تعين فَلَو انقطعت أيمانُك و لم يبق إلا أسنانُك ؛ وهي أوهى الأسباب لأحْلَك الأحوال ؛ كنايةً عن شدةِ الممانعة مع قلَّة الأنصار؛ وصعوبةِ المدافعة مع ضَعْف الوسائل ؛ فاستمسك ولا تدع ولا تَغِبْ ؛ ولا تُخْل الساحة ولا تيأس ؛ فإن فعلت فما أنت بالمستمسك …
وإن تأملتَ مكاره ما يصيبكَ في هذا السبيل الشاق ؛ بغير المكارم من الله وإرهاصات التأييد منه ؛ فما أنت بالذي على خُطى السلف الصالح وقد قال
سفيان: “من لم يعد البلاء نِعمةً فليس بفقيه” الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 94)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (10/ 66)، وسير أعلام النبلاء (7/ 266).
قال تعالى : ﴿فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم
وقال سبحانه : ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين
وهكذا كان دأب رسول الله مع كل لحظة وعْظ وتذكير ؛ يحفز الأمة إلى معالي الشئون بِحروفِ النَّفَسِ الأخير الذي يحمِّله كل مودِّع شفقةً و صدقاً ؛ وكل موصٍّ نصحاً محضاً لا شائبة فيه إلا التوجيه الأمثل لما هو أكمل
كما في الصحيحين عن عقبة بن عامر: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد، ثم صعد المنبر •كالمودع للأحياء والأموات• ، فقال: (( إني فرطكم على الحوض، فإن عرضه كما بين إيلة إلى الجحفة، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها وتقتتلوا؛ فتهلكوا كما هلك من قبلكم ) …

فعجبا لأقوام يتركون المتواتر في نصوص الوحيين وهدي السلف ؛ من إمامة العدل ومن تحريم التظالم وربط الآخرة بالدنيا ؛
و نداء الرسول في القرآن “وأمرْتُ لأعدلَ بينكم” والذي قال :”إني بعثتُ بالحنيفية السمحة و لم أُبْعَث بالرهبانية البِدْعة“رواه أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه…
فالسنة هي الشريعة في الدولة والمجتمع؛ والبدعة هي ترك ذلك وهو الرهبانية المنكرة بنص رسول الله .. ولذا فكثير من متسننة الزمن هم مبتدعة ولكن لا يشعرون …
﴿قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين
فالبدعة هي الضلالة بنص رسول الله ؛ فقبل أن تتمحل جاهدا لتحكم على وصف عمل ما بأنه بدعة بأنها ضلالة ؛ فَتَعَلَّم أولاً أن الضلالة التي لا خلاف فيها هي البدعة الأمُّ؛ فبِدعَةٌ ضلالةٌ أهونُ من ضلالةٍ هي البدعةُ!!
ومن أشر الضلال والبدع ما نبه القرآن عليه من ألوان فساد الدول وزبانيته وزخارفه كقول الحق سبحانه: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ فهو ينبه على الضلال من حيث منشأ البدع و المنكرات التي تباعد عن الشريعة…
فكأنه قال و إياكم والضلال فالضلال يأتي بالبدع ثم البدع تُفاقِم الضلال فيصير طغياناً …
ففرعون و السامري هما المثال على كل مبتدع بضلاله وعلى كل بدعةٍ بضلالاتها …
والسلف رضوان الله عليهم لما ظهرت بدعة الجهمية قاوموها من هذا الحديث فنشروا السنة وفندوا الشبهات على مستوى الاعتقاد .. و كذلك نحن في زماننا يجب أن ننظر فيما يهدد ديننا ودولنا ومجتمعاتنا ؛ من علمانية واستبداد فنقاوم محدثاته وننشر هدي الشريعة ونفند شبهاتهم تنظيراً وتطبيقاً بالعلماء وبالولاة وبالأخيار وبالكفاءات ؛ وأن هذا ألصق بمدلول هذا الحديث العظيم … وعلى هذا المعنى الأصيل ينبغي أن نفهم الإطلاقات الواردة في الحض على السنة واتباعها أن المراد بها الشريعة بكل تفاصيلها وبالأخص في ما يهم الشأن العام لأنه أعم و أهم و أدوم …
كقول ابن عون : ”ثلاث أحب لنفسي ولإخواني : هذه السنة أن يتعلموها ، ويسألوا عنها ، والقرآن أن يتفهموه ، ويسألوا عنه ، ويدعوا الناس إلا من خير“.
وقول الأوزاعي : ”خمس كان عليها أصحاب النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : لزوم الجماعة ،واتباع السنة ، وعمارة المسجد ، وتلاوة القرآن ، وجهاد في سبيل الله.”
ومثله في الترْكِ و الاجتناب قول سفيان الثوري (( من سمِع مبتدعاً لم ينفعه الله تعالى بما سمع ومن صافحه فقد نقض عرى الإسلام عروة ))
ونحوها من الآثار السلفية المباركة..
فلا شك أن مفهوم البدع هنا ينصب على كبريات النواقض وهي أولى ما روعي بالرد والاحتراز وأن لا يُشتغل عنها بما يمكن تحمله أو تخفيفه…
فلا يأتين متشدق بعد رسول الله يتنطط بين العوام ؛ ليغيب المعنى الأصلي وسبب النزول ومورد الحديث وحيِّز الخطاب ؛ ليبخس النص دلالته الحق ؛ فيحصره في أمثلةٍ كتسابيح المصلين أو جماعة الحزَّابين أو مقدار اللحية وحكم الأناشيد يضخمها مُنْذِراً كأنه يتكلم عن القدس أو الإلحاد …
فإذا نبهتَه لغلطه وخلطه المراتب قال لَكَ هذا العهد وهذا ما نعرف و أنتَ تبدِّل تبديلا فقلتُ ما أصدق قول ابن مسعود (( كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ الفِتْنَةُ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَتَّخِذُهَا النَّاسُ سُنَّةً، فَإِنْ غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ: غُيِّرَتِ السُّنَّةُ» ، قَالُوا: مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؟ قَالَ : « إِذَا كَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ ))
نعم صدق والله لقد أَلِفَ بعض الناس بعض المعاني الباطلة أو الناقصة ؛ فإذا تُكلم في ترميمِها مناصحة و مراجعة قال : “غُيِّرتِ السنة” وما هي إلا سنة فهمه و عادة قوْمه وليست بسنة الدين ..
وكذلك يقال في مفهوم البدعة وما يعتريه وهو بحث طويل لا داعي له في هذا السياق وأكتفي بتأصيل مدلوله العام بقول البغوي رحمه الله شارحاً هذا الحديث: ((وأراد بمحدثات الأمور : ما أحدث على غير قياس أصل من أصول الدين ، فأما ما كان مردودا إلى أصل من أصول الدين ، فليس بضلالة.))إهـ
وقد استقاه رحمه الله من الإمام الشافعي قبله الذي قال : «المحدثات في الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث يخالف كتاباً أو سنةً أو أثراً أو إجماعاً فهذه بدعة الضلال, وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهي محدثة غير مذمومة»
فأنت ترى أن هؤلاء الشراح الجدد بمعزل عن مسالك العلماء في تفهم الحديث النبوي
وقد ذكرني شرحهم القاصرُ هذا بتفسير بعضهم لآية آل عمران ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) حيث ربطها بأثر ابن عباس على نحوٍ من هذا الغلط ؛ و سنبين هذا الفهم الخاطئ في مناسبة أخرى بحول الله تعالى ؛
والمرادُ هُنَا أن تصرفهم هذا من التحريف المذموم ؛ و من البدع المحدثة في الفهوم ؛ و هو اعتداء على السنة وعلى السلف ؛ مِن حيث يظن بعض المساكين -غفر الله لنا ولهم-أنه معتصم متبع ؛ والحقيقة أنه لا علم ولا فهم ولا اعتصام ولا اتباع ولا مواقف …
ثم إذا جاءت أيام الامتحان إذ يُعلن النفاقُ عن نفسه ويجاهر المفسدُ بِعدائِه ؛ رأيت كثيراً منهم يتولون من لا خلاق لهم و إياهم يدعمون وعن الأخيار ينكصون وينكثون…
و هذا التصرف العقيم مع نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف مع المواقف المخزية سِرًّا وَ جَهْراً ؛ قد وقع فيه كثير من المتعالمين المعتدين ؛ وبعض الأخيار الناصحين المخطئين ؛ وقد انكشف لعموم الطلبة والباحثين والنَّاس خطأ مسالكهم وتجنيهم على الحديث والسلفية في بعض الأمور الكِبار ؛ و سنبين بإذن الله تعالى مواقع ذلك آيةً آيةً و حديثاً حديثاً و أثراً أثراً وأصْلاً أصلاً ؛ دفاعاً عن العلم وأهله ؛ و حماية للنصوص المعصومة؛من الفهوم المحمومة أو المذمومة أو المسمومة …
والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين…

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *