خشوع الاستبشار

خشوع الاستبشار
(بين يدي سنة السجدة والإنسان في فجر الجمعة وقراءة سورة الكهف في يومها)

كثير من الأخيار حينما يقرأ القرآن في صلاة أو خارجها ؛ فإنه يحصر معنى الخشوع في نوع من الحزن البليغ و التباكي الرقيق و التقطيب والنحيب؛
وهذا خير ولا شك وله فضائله وآدابه وآثاره الحسنة على النفس في تقوية جانب الخوف والإجلال…
ولكن إغفال جانب الإقبال على القرآن قراءة وسماعاً ؛ بِنَفَسٍ مُرتاحٍ بآياته ؛ و قَلْبٍ ملئٍ بالفرحِ من صورِ وعودِه ؛ وجسدٍ مفعمٍ بالاستبشار مِنْ سُور تفاؤلاته وجمالياته ؛ يفوت على قلب المؤمن وحياته من السعادة بالقرآن والاندفاع به إلى حيث الإنجاز الشيء الكثير والأهم من سلوكٍ قد يدفعه إلى نوع من التخلي عن إصلاح الأرض بدعوى الزهادة و خشية الحساب …!! فهذا “الخشوع الاستبشاري” أراه لا يقل أهمية عن “الخشوع التحزيني” -وكلاهما مهم-… بحيث يضفي على الهمة المؤمنة كل كوامن الحبور بالذكر والسرور بالعبادة ؛ فتخرج منها مبتسماً أمام الخصوم فتتهاوى تحدياتهم أمام وجهك البَسَّام…
وتنقلبُ بنعمة من الله مسروراً لم يمسسك من ريب الزمان سوء ؛ توزع بطمأنينة القرآن عليك التفاؤل في العالمين؛وتشيع بسكينته الإيجابيةَ والإقبال ؛
﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون
أي: ((وإذا أنزل الله سورة على رسوله صلّى الله عليه وسلّم فمن المنافقين من يسأل مستهزئًا ساخرًا: أيكم زادته هذه السورة النازلة إيمانًا بما جاء به محمد؟ فأما الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله فقد زادهم نزول السورة إيمانًا إلى إيمانهم السابق، وهم مسرورون بما نزل من الوحي؛ لما فيه من منافعهم الدنيوية والأخروية.))
ولذا أوصيكم قرائي الكرام وطلابي الأعزاء وعموم المسلمين بضرورة الاعتناء بهذا الملحظ في أوراد الذكر و تحْزيب القرآن في الصلاة وخارج الصلاة وفي عموم دروب الحياة .. أظهروا البشارة بالقرآن أظهروا الفرح بتلاوته ؛ ولا بأس أن تخرجوا من المسجد و ابتسامة الخشوع تعلو وجوهكم ؛ وتصرفونها بينكم كلمات تشجيع و أملٍ وارتياح…
( أسعد الله مقامكم ) ( نور الله دربكم ) ( لا حرمنا الله و إياكم من طمأنينة السبع المثاني ) ( أين نجد مثل هذه الحلاوة التي تعلو القرآن وتحنو في المساجد ) ( دعونا ننشر هذه الحلاوة في سكان الحي وفي أهل الأرض ) … و على هذا النحو أحبائي من كلمات المحبة والتوادد والتفاؤل والفرح …
فما أحوج قلوب الناس إلى من يفتح لها أبواب الانشراح و أبواب فضل الله الواسع الذي يشرح الصدر و يضع الوزر و يرفع الذكر ؛ لتخف أنقاض الهموم والغموم والعسرة بالميسرة والرَّغَب …
﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون
﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين
فهذا الاستبشار بآيات القرآن هو عين الانشراح الذي ينقلب عمليا على ذات الفرد وحياة الأمة
هداية في الشؤون و نورا على الظلمات ؛ وقوة تدفع الضيق والحرج والقسوة والقُساة ..
ولذا كانت النعمة به على نبينا محمد سابقة وعنوانا للوحي الذي أوتيه وفُضِّلَ به “ألم نشرح لك صدرك
ولما تجلى الله للكليم و نال من شرف الخطاب الإلهي الفتح العظيم ؛ كان أول الآثار أن سأل دوام الانشراح الذي ذاقه جانب الطور الأيمن فقال :
رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحْلُل عقدة من لساني يفقهو قولي” فإذا حصل الاستبشار حصل الانشراح و إذا حصل الانشراح لشؤون النفس وقضايا الأمة ؛ جاء بإذن الله تيسير الأمور وانحلال العقد و انسجام المجتمعات وتوافقها على خير الاتفاقات في كل مجالات الإصلاح دنيويا وأخرويا دعويا و سياسيا وغير ذلك … فارقبوا هذه المسرّات و وزعوا المبشرات كما أمركم رسولنا الرؤوف الرحيم بقوله صلى الله عليه وسلم : “بشروا“”وأبشروا“…
و قد قال الله عن أوليائه الصالحين:
﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ … جعلنا الله و إياكم منهم …
والحمد لله رب العالمين …

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *