مشاركة الأخيار في العملية السياسية

مشاركة الأخيار في العملية السياسية من أهم وسائل الدعوة الإصلاحية

د. عادل رفوش: كيف تقيمون ولوج الدعاة والعلماء للمجال السياسي وخوض غمار الانتخابات؟

لعدة أدلة شرحتُ مراراً أن الأصل في أهل القدوة من العلماء والدعاة هو استحباب المشاركة السياسية في حقهم إن لم تكن واجبة في بعض الأحوال، وذلك من وجوهٍ نقتصر منها على وجهين:

1- أن الأصل هو الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ورسول الله قد قام بذلك أحسن قيام مشاركاً وقائداً كما هو معروف من سيرته؛ وذلك تشريع للأمة في شخص نبيها أن تزاحم لتفضل؛ فكل ما مارسه رسول الله قولا أو فعلا أو تقريراً فهو سنة وتشريع، وقد ثبت كل ذلك في “لمشاركة السياسية” بكل صورها التي تدخل في إطار “القيادة والحكم وتدبير الشأن العام”؛ فهي لا تعدو أن تكون من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتفاصيله المعروفة عند العلماء.

2- أن الله تعالى ألزم بالقيام عليها والتواجد فيها فالسياسة العامة عندي هي المذكورة نصا في القرآن باسم “الأمر الجامع”؛ في قوله تعالى: “وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه؛ فالأصل هو أن نتواجد في أمور المجتمع الجامعة لشئونهم؛ وأن نوفر القيادات المثلى التي تعين ولاة الأمور في الخير وأن نلبي نداءاتهم؛ وإذا حضرنا مجالسهم لا نقعسهم بالتخلي والخروج والترك؛ بل من تمام الصدق في الإصلاح هو التضحية بالوقت وعدم الاستئذان إلا في العارض القوي الشديد ولذلك عاتب الله نبيه في إذنه لبعض من استأذن قبل معرفة الداعي لهذا التخلي عن التواجد مع القائد في قضايا الرأي العام “عفا الله عنك لم أذنت لهم” وكأني بالقرآن يبرز حقيقتين:

1- إن هذا الموضع موضوع مشاركات دائمة.

2- وأن المتخلي مطعونٌ في قصده الإصلاح فعلينا تبين حاله خشية أن لا يكون من المعذورين بل من المدسوسين المنافقين… ثم يرقي القرآن درجة هذه المشاركة السياسية إلى عدها في “شعب الإيمان” و “مقامات الرباط من أهل الإحسان” بقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم﴾، وهذا هو العدل في وسطية الأمة: فلا هي في “عزلة الرهبان”؛ ولا هي في “مسلك فتن الخوارج”… بل مشاركة إيجابية تساهم في الإصلاح قدر المستطاع… فهو “رسيخ لمبدإ التضحية والسِّلْمية والعَلَنية”.

تضحية: لأن السلبيات موجودة ولا بد، وسلمية: لنخرج من دواعي الفوضى والخروج، وعلنية: لنكون مؤثرين في الواقع بلا خفايا سرية! وهذه من أهم المقومات الدعوية؛ وعليه فمشاركة الأخيار في العملية السياسية هي من أهم وسائل الدعوة الإصلاحية، والأدلة في هذا الأمر أكثر من أن تحصر.

سبق لعدد من العلماء والدعاة أن اختاروا الإصلاح من بوابة السياسة، من أمثال عبد الباري الزمزمي وعبد العزيز بن الصديق رحمهما الله ومحمد الأمين بوخبزة كيف تقيمون تجربتهم السياسية؟

بناء على ما سبق فالذين دخلوا غمار المشاركة السياسية وخاضوا الإصلاح السياسي عندنا في المغرب من رجال أخيار من أهل العلم والدعوة أحزاباً أو أفراداً؛ أرى أنهم مقتدون بالهدي النبوي؛ وأرى أنهم تحملوا عن الأمة باباً من فروض الكفايات؛ وهم على العموم متقلبون بين الأجر والأجرين؛ وهم عندي أشجع من غيرهم لصعوبة ما طرقوا وإنما “أجرك على قدر نصبك“؛ وقد يؤذون أنفسهم لتستقيم بعض أحوال العامة ولو على المدى البعيد؛ بل ولو على مستوى حجز الأماكن بحيث لا يتسلل “الانقراض الكَنسي” إلى مجتمع الدول الإسلامية، وما نرى من تحسن هو من جَرَّاء تضحيات من سبق؛ ولذا دائما أشبههم “الرامهرمزي” عند المحدثين؛ نال شرف السبق فليظهر غيره شرف تكميل البناء وتحسينه وتطويره.

هل يمكن أن يؤثر العمل السياسي على المردود الدعوي للعالم والداعية؟

أما تأثير العمل السياسي على المردود الدعوي فهذا السؤال عندي لا يصح أصلاً، لأن العمل السياسي حسب ما شرحنا سابقاً هو من أهم أنواع العمل الدعوي فلا تعارض بين عام وخاص، ولا تناقض إذ يمكن الجمع، ولا تخالف إذ يمكن التنويع والتخصص والتعاون؛ والأصل في العمل الدعوي هو ملأ كل المجالات والحرص على الدخول من كل أبواب الجنة الثمانية كما هو سنة الصديق الأكبر إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ فقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ“.

فكلما كان المصلح أكثر تنويعا كلما كان أكثر عظمةً وتأثيراً؛ وأصله أيضاً حديث أبي بكر الصديق الآخر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا. قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا. قَالَ:«فَمَنْ عَادَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مَرِيضًا»؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» أخرجه مسلم.

وعند الطبراني في الكبير: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى اسْتَعْلَى بِهِ الضَّحِكُ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا جَمَعَهُنَّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ إِلا مُؤْمِنٌ، وَإِلا دَخَلَ بِهِنَّ الْجَنَّةَ».

ومن تأمل هذين الحديثين وجد أن ما يدخل في أبواب الخير المتعلقة بالتدبير السياسي العام هو أكثر مما يخص المرء في ذاته والدائرة الأضيق؛ ومن هنا جاء تفضيل الخير المتعدّي على الخير القاصر؛ والعمل السياسي العام أعمق أثراً من العمل الشخصي المحدود… والقائمون عليه باتزانٍ هم أحفاد الصِّدِّيق الأكبر حقيقةً… وينبغي على الأمة إعانتهم على البر والتقوى لدفع الإثم والعدوان.

العالم أو الداعية يتعامل بحرية وشكل كبير من الشفافية في التعاطي مع قضايا الواقع بخلاف السياسي الذي تكبله البرامج والحسابات السياسية، هل توافقون على هذا الطرح؟

لزم هنا التنبيه على “دعوى التضخم” التي يثيرها بعض الفضلاء نقلا عن الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله؛ وكلامهم صحيح فعلاً لو كان هناك تضخم أصلا؛ فنحن ندعي العكس تماماً وأن الأمة تعاني “الهشاشة” في كل المجالات حتى الشرعية المحضة منها؛ فما بالك بباب السياسة!! ولا يقاس الأمر هنا بشخص أو طيف أو ماجريات مع أن هذه الأشياء أيضاً تعاني من “فقر مذقع” في العمل السياسي المتكامل.

وعليه فنحن ينبغي أن نطور من كفاءاتنا وفاعليتنا في الباب وأن نعين المتخصصين منا فيه كما قال علماؤنا: “أن تبلغ ما تحتاج إليه حتى تحقق ما لا تحتاج إليه”، و”من أراد علما فليدقق”، أي فليعرف أدق التفاصيل التي قد تكون عند بعض من لم يفهم سُنَن العلم والعلماء وتنمية العقول بأنها ضرب من “الترف العلمي”؛ فينبغي أن نتخصص أكثر وأن نساند الميدانيين بفقه عملي واقعي؛ وأن نرفع من جاهزيتنا النظرية والتطبيقية بما فيه صلاح الوطن والأمة؛ وبما يحقق المشورة الصالحة لإمارة المؤمنين بترشيح النخب الأمثل للإعانة الأكمل في تسيير شؤون البلاد وإصلاح العباد.

فالطريق شاق وطويل وما لم نشرع فلن نُبْدع.. وما يقع من سلبياتٍ في هذا السبيل طبعي معتاد بل لازم لأنه باب تدافع يجتمع فيه الشيء ونقيضه؛ وإذا كان العمل الدعوي المحض كتعليم القرآن الكريم أو تأسيس جمعية دعوية؛ لا يخلو من تحديات وسلبيات ونواقض ونواقص نظرية وتطبيقية؛ فكيف بعمل يتصارع فيه الرحماني مع الشيطاني داخليا وخارجيا!! وإذا كان العالم والمتصدق والمجاهد عرضة لأن تسعر به نار جهنم؛ إن لم يحترز في أداء قرباته العالية فما بالك بعمل يختلط فيه الدَّنِيُّ بالسَّنِي والصالح بالطالح…

علاقة الديني بالسياسي ما تمثل لكم؟

أما العلاقة بين الديني والسياسي فهي علاقة بين وسيلة وغاية ولا تعارض بينهما؛ ولكن الخلط بين مراتبهما والثوابت والمتغيرات فيهما؛ هو الذي يوهم الظن الفاسد عند فريقين:

1- من تطرف فنحى الدِّينَ عن السياسةِ ظنا منه أن الدين مختص بالمسجد وهذه هي “علمانية الكنائس”؛

2- وعند من تطرف في الطرف الآخر فظن أن السياسةَ متوقفةٌ على نص من الوحي في كل جزئياتها وهذه “ظاهرية السياسة”.

وكلاهما ضلال عن السبيل؛ فالدين: “نظام شامل لكل شؤون الحياة”؛ والسياسة: “اختيار الناس لما يناسبهم ما لم يخالف الوحي”؛ وأنا دائما ألخص هذا المعنى بقولي: “الدينُ هو السياسة الأعم والسياسة هي الدينُ الأخص” كما بيَّن العلماء كأبي الوفاء ابن عقيل والطرطوشي وابن القيم رحم الله الجميع.

والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *