التألُّفُ أساسٌ ..

التألُّفُ أساسٌ ..
(فلا دينَ ولا منهجَ إلا بالولاءِ لصالحي المؤمنين)

لستُ بحاجة إلى التأكيد بأن من أهم أسباب إصلاح كثير من أحوالنا في أفرادنا ومجتمعاتنا؛ هو التنبه إلى حديث القرآن والسنة عن صفات المؤمن وخصال الإيمان وأخلاق المؤمنين .. وأن نحاول في اجتهاد جماعي واهتمام فردي في كل وقت وحين رعايتها والتنبه لنواقضها..
نكرر دلائلها ونحرر مسائلها للتخلق بها ظاهراً وباطناً ؛ وبذلك سنسترجع كثيراً من القواسم التي تجمع المؤمنين والتي عدت عليها عوادي التفرقة بسبب الشبهات والمحدثات والمدلهمات وأدعياء المنهجيات كالسلفيات وكالصوفيات ..
بدأً من شعورك بأن عموم أهل الإيمان هم أهل سنَّةٍ وجماعة؛ وأنهم أهل الصراط المستقيم الممدوحين عند الله بالإنعام ؛ كما في صدر فاتحة الكتاب؛ ثم ما ذكر ربنا في فاتحة البقرة هدى للمتقين المفلحين … وهكذا في معظم سُوَر القرآن كالأنفال والمؤمنون والمعارج والماعون .. نتتبعها في أورادِ تربية يوميةٍ..
وهكذا في السنة حينما نجد النبي صلى الله عليه وسلم يمدح المؤمن القوي، والمؤمن الكيس الفطِن، والمؤمن الغِرَّ الكريم وأن المؤمن لا يلدغ من جحرٍ مرَّتين، وإنَّ المؤمنَ لَيُطْبَعَ على خِلالٍ شتَّى : على الجودِ والبخلِ وحُسْنِ الخُلُقِ ، ولا يُطْبَعُ المؤمنُ على الكَذِبِ ، ولا يكونُ المؤمنُ كذَّابًا ؛ وأن المؤمن أمره كله له خير ؛ وأن المؤمن أخو المؤمن وأن المؤمن مرآة المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه؛ كما عند أبي داود في السنن وغيره ..
فما أخلص للدين من ضيَّع إخوانه ولم يحم أمته ولم يكن سياجا لهم يمنع عنهم الأذى ويدرأ الفساد والمفسدين… ؛ وأن المؤمن من المؤمنِ بمنزلةِ الرأسِ من الجسدِ كذلك المؤمنُ يُؤلمُه ما يصيبُ المؤمنينَ ..
وقس على ذلك أشباهها من السير والآثار فإنها ترسم المعالم الأجلى وتعطي الدواء الأنجع لتحقيق الواجب فينا وبيننا ألفةً وتحابباً نتعاون ونتناصح ونتراحم… ؛ بعيداً عن محدثاتنا التي شتتت جهودنا و أضعفت صفوفنا ؛ ثم لَبس علينا إبليس باستثناءات أقمناها مقام الأصول كالهجر والرد والتحذير .. الخ الخ الخ…
وصار بعضنا يقع في كبائر الجرائم من تمزيق الأمة والاعتداء على صالحيها وتلبيس دينها التي هي من أعظم الذنوب الخطيرة عند الله وعند رسوله والمؤمنين؛ وهو يظن نفسه من أهل الاستقامة والسنة؛ ولربما كان ذاك الذي يزدريه لمعصية ظاهرة عنده أو عابرة من انحلال أو فسوق ؛ أقرب إلى الله منه لأنه ما ثبتها بإصرار ولا جعلها من الدين فضلاً عن أن يخرب بها الدين كما رأينا في أدعياء السلفية من العلمانية الملتحية؛ الذين يُظاهرون المفسدين ويعادون المصلحين ويفرقون صفوف المسلمين كذباً وإرجافاً وابتغاء للفتنة باتباع ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم …
فواللهِ لأولئك الفساقُ أرجى للأمة من هؤلاء السُّرَّاق قُطَّاع طرق الوفاق ؛ الذين يسرقون من الأمة دينها وسنتها وسلفيتها؛ ويخيفون بالأوهام سبيلَ سابلتِها ؛ بما لم يُرَ مثله في التاريخ؛ ويكفي أن ترى جسمهم الخواء ليس له رأس ؛ وإنما بعض عوام وأشباه عوام بلا أهلية ولا تراتبية ولا مؤسسية ؛ لا علم ولا عبادة ولا أخلاق ولا عقلَ ولا رجولةَ …
لا معرفةَ ولا تنظيم ولا تضحية ..
فلا هي سلفية ولا إخوانية ولا تبليغية ..
وإنما هي مدخليةٌ دخِيلةٌ داخِليَّة ..
وقديماً قُلْتُ -ونحن بحمد الله من أعرف الناس بالخبايا والزوايا لو دين الستر والورع احتِساباً-:
“إن من عيوب العمل الدعوي في بعض وجوه المغرب : عشوائية الحوار وديكتاتورية القرار ؛ ويكفي أن يكون عندك “صالون وطاجين” لتصير من “أعيانِ الدعوة” ومن”أكابر مُنَظِّريها ومُقرِّريها”!
تتكلم و تفتي وتقود ويُحرَصُ على رِضاك!!
إن من أهم الخصال التي ركزت عليها شريعتنا هي تحقيق الألفة والحرص عليها كأساس للعمل في هذا الدين والعمل له؛ فإذا أمسيتَ أو أصبحت وأنتَ لا تهتم بالمسلمين ولا تحرص على رحمتهم واجتماع عمومهم دون التفاتٍ لشُذَّاذِهم؛ فاعلم أنك مقصِّر أبلغ تقصير وأشنعِه؛ وأن الشيطان يستعملك في ولايته بأسوئه وأبشعه …
فالألفة بين عموم المسلمين وعامة مكونات المجتمع المسلم ومع كل أطياف العمل الإسلامي أصل أصيل لا يحاد عنه بِدخيلٍ..
ولا نحرم هذه الألفة إلا من عادى الألفة؛ فإنه إذ ذاك استحق نقيضها ..
فأكبر قربات الجماعة المسلمة التآلف، وأسوأ نواقضها التخالف ونبذ التحالف …
وتأمل معي قول الحبيب المصطفى: “المؤمن مألفةٌ ؛ ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلَف“.
وفي رواية: “المؤمن مُؤْلفٌ“.
وفي رواية:”المؤمن آلِفٌ مألوفٌ“.
فالنبي صلى الله عليه وسلم ينبه الفرد والجماعة والمجتمع لهذا المعنى؛ وهو “التأليف” وهو لفظ يدل على بعض تخالف في الأصل يتفاداه المؤلف بحسن التصرف كما قال ربنا:
﴿ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم•يؤلف•بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار
فالتأليف تقريب بين بعض تخالفاتٍ لتحقيق تكاملاتٍ غير متبايناتٍ ولا متناقضاتٍ ..
ثم يُبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر ينبغي أن يستوعب كل مكوناتنا حتى الزمان والمكان والهيئة والفاعلية والتفاعلية في تحريض عجيب منه صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
مألفَةٌ“و”مؤلف“و”آلِفٌ“و”مألوف“..
ثم يؤكد المعنى تحذيراً من مغبة التهاون في هذا الأصل إذ ينفي عنه النجاعة والفلاح ؛ فيقول: “ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف“.
نعم كيف يفلح فردٌ أو جمعية أو جماعة أو مجتمع وهي تنشر الفرقة والتدابر …
وما ذلك إلا لأنها حطمت أساسا من أسس التوحيد والإيمان والأمَّة..
ورحم الله القاضي عياض إذ قال : “والألفةُ إحدى فرائضِ الدينِ وأركانِ الشريعة ونظام شمل الإسلام“.
فنعمةُ قوةِ الأخوةِ ثمرةٌ؛ والاعتصام بالدِّين بلا تفرقةٍ مطلبٌ؛ ولا يستقيم المطلبُ ولا تطيبُ ثمرتُهُ؛ إلا بواسطةٍ ناظمةٍ بينهما هي الألفة بلا عداوةٍ: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون
قال المناوي رحمه الله: “والتألُّفُ سببُ الاعتصام بالله وبحَبْله..
فمن عممها على الأمة كما نطق الكتاب والسنة وسعى فيها بين مكوناتها فهو من أهلها؛ ومن عادى الأمة ووالى فئتَهُ وتحزب في الضيق وأحدث التشقيق؛ فهو ليس من أهل التأليف والتآلف ولا يستحق من الألفة إلا نقيضها لأنه هو الناقض لها المتباعد عنها المفرق لكلمة المؤمنين لصالح المفسدين…
ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
القوا الضغائنَ والتحاسدَ بينكمْ ** عِنْدَ المغيبِ وفي الحضورِ الشُّهَّدِ
بصلاحِ ذات البين طول بقائكم ** إِنْ مُدَّ في عمري وإن لم يمْدَدِ
فلمثل ريب الدهر ألف بينكم ** بتواصلٍ وتراحمٍ وتوددِ
وانفوا الضغائن والتخاذل عنكم ** بتكرمٍ وَتوازرٍ وَ تغمدِ
حتى تلين جلودكم وقلوبكم ** لمسود منكم وغيرِ مسودِ
إن القداح إذا اجتمعن فرامها ** بالكسر ذو حنق وبطش أَِّيدِ
عزت فلم تكسر وإن هي بددت ** فالوهْنُ والتكسيرُ للمتبددِ
هذه هي الدرر حقاًّ، عن فحول العلماء صدقاً ..
قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو يتحدث عن الصحابة والسلف واتساع دائرة التعاذر والتناصح والتراحم بينهم رغم التخالف الشديد أحيانا:
وتنازعوا في مسائلَ عِلميةٍ اعتقاديةٍ؛ كسماعِ الميتِ صوتَ الحيِّ ، وتعذيب الميتِ ببكاء أهله، ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه قبل الموت ..
ثم قال رحمه الله -وهو الشاهد-: “مع بقاء الجماعة والألفة“.
قُلْتُ: فلا لمزَ ولا تضليل ولا تكفير؛ فمن فعل عادت عليه فلا يلومَنَّ المسلمين إن ردُّوا عدوانه وضلاله ..
وقال رحمه الله في نص أبلغ في المجموع3/284 :
فهكذا كان السلف: قاتَلَ بَعْضُهُمْ بعضاً .. وبين الله أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعضٍ إخوة مؤمنون وأمر بالإصلاح بينهم بالعدلِ..
فالسلف مع الاقتتالِ يوالي بعضهم بعضاً موالاةَ الدين ولا يُعادَون معاداة الكفار ؛ فيقبلُ بَعْضُهُمْ •شهادةَ• بعضٍ ؛ويأخذُ بعضهم•العِلْمَ• عن بعضٍ؛ ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملةِ المسلمين بعضهم مع بعضٍ مع ما كانَ بينهم من القتالِ والتلاعنِ وغيرِ ذلك..
وهذا هو الواجب على كل مسلم في كل مدينةٍ من مدائن المسلمين؛ وإن رأى بعضهم ضالا أو غاويا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها؛ وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضلَ ولاَّهُ ؛ وإن قدر أن يمنع من يُظهرُ البدع والفجور منعه ؛ وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبقِ إلى طاعة الله و رسوله أفضل“اهـ كلامه رحمه الله تعالى.

شاهد أيضاً

Book 2

🌾{إبداعُ الفروع}🌾

🌾{ إبداعُ الفروع }🌾 -من إبداعات فقهاء الإسلام في تدوين علوم الدين وتوارث المعرفة؛ تصنيف ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *