“فهم السلف” هو “أصول الفقه”

“فهم السلف” هو “أصول الفقه”

“فهم السلف الصالح” هو أحد وسائل الاعتصام السليم بالكتاب والسنة ولكنه ليس المسلكَ الأوحد لتحقيق الاتباع التامِّ استمساكاً بالوحي وانتصاراً؛ وإن كان هو أولى وأرجح؛ وقد يكون في مواضعَ أوجب؛ على حد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “لن يتِمَّ الدين إلا بمعرفة الآثار النبوية والسلفية؛ وَ فِقْهٍ لما قَصَدوهُ من المعاني الدينية“إهـ
وقد صدق الحافظ ابن رجب إذ قال تصديقا لهذا المعنى: “وفي زماننا يتعين كتابةُ كلام السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي و أحمد وإسحاق“. [رسالة فضل السلف ص 60].
وإذا سألتَني -رحمني الله وإياكَ- عن معناه؛ أي ما معنى “بفهم سلف الأمة”؟
وأنتَ في زمنٍ تُرمى فيه الألفاظُ رمياً قصداً للتعمية من قومٍ، وجهالةً من آخرين كأدعياء السلفية ..
فاعلم أنه لا يخرج عن مدلول “علم أصول الفقه” الذي تعاطته الأمة وفاقاً وخلافاً، خلفاً عن سلفٍ على اختلاف مراتب قضاياه وتداخلها مع الممدوح المحمود في غيره من معارف الإسلام؛
فالفقه المُضاف في المعنى اللَّقبي لهذا العلم الشريف: المراد به “الفهم”.
والألف واللام فيه عِوضٌ عن مضافٍ محذوفٍ؛ وهو الشريعة أو الدين؛ فمعنى هذا العنوان العريض”علم أصول الفقه”: أي القواعد الأساس التي وضعها علماء الأمة لفهم الدين بكل تفاصيله، وفهْم الشريعة بكل أبوابها ومسائلها؛ فهو آلة معيارية تستخدم لفهم العقائد ولفهم المناهج ولفهم الشرائع ولفهم الأخلاق ولفهم التصرفات ..
وكل أصلٍ منطقي أو لغوي أو حديثي أو تاريخي أو مقاصدي صحيحٍ سليمٍ؛ فهو مُلْحَقٌ بأصول الفهم المعتبرة أي أصول فهم الدين أي أصول الفقه أي فهم السلف الراجح ثم فهم الخلف الصالح ..
فإنه لا خير في عبادةٍ لا علم فيها ولا خير في علم لا فهْمَ فيه ولا خير في قراءةٍ لا تدبر فيها” كما قال سيدنا علي رضي الله عنه ( أخرجه الدارمي ح303).
ولا شك أنَّ جميعَ مسائل الدينِ -عبادةً وقراءةً وتدبراً علماً وعملاً- مدارُ قواعده عند كافة الأمة؛ تنطلق من أسس علم أصول الفقه التي تتفرع حولها وبها معارفُ شَتَّىٰ ..
فليكن هذا منكَ على ذُكْرٍ -أخي القارئ أختي القارئة- فإذا سمعتَ دعاوى اتباع السلف غيرَ مفسَّرةٍ بأصول الفقه كأول خطوة مجملةٍ لضبطه والهداية إليه للاهتداء به؛ فاعلم أنها دعاوى جوفاء لا حقيقة لها في الواقع إلا التعمية والتعميم والتدليس وسوءِ التفسير الذي مآله الخطير هو التسيُّب بلا عقالٍ وخبالٌ في أودية الضلال؛ يُضحى فيه بنصوص الكتاب ويُعتدى على السنة بسوء الاستخدام وعُقْمِ الاستنباط وعسْر العقول وغِلظ القلوب؛ لتُحمَّل النصوصُ جَرَّاءَ ذَلِكَ على معانٍ غريبةٍ أو فرديةٍ أو متأخرةٍ، ثم يدلَّس على العوام بذكر أثرٍ ما أو موقفٍ مُعيَّنٍ لتحجير الدلالة أو لمسخها، ثم يقال كذبا: “هذا منهج السلف” أو هذا “معتقد السلف” أو هذه هي”السلفية”!
زوراً وبهتاناً ..
ولذا كان لزاما أن تُسائل هؤلاء الأدعياء عن هذا اللفظ الشريف المجمل “فهم السلف” ماذا تقصدون به؟
وكيف تطبقون تنزيله؟
فإن قالوا:
1 هو ما اقتضاه الفهم السليم حسب قواعد الشريعة التي أسسها السلف في علم أصول الفقه وتوابعه من القواعد والمقاصد وتوارثته فحول الأمة.
2 وأن أقوى الفهوم:
-أ- إجماع الصحابة
ثم إجماع من بعدهم في جهة الإلزام.
-ب- ثم جمهور الصحابة
ثم جمهور من بعدهم من جهة الترجيح وفي مقدمتهم المذاهب الأربعة بأئمتها الصدور السادة؛ وأتباعهم العلماء القادة؛ رضي الله عنهم أجمعين.
فإن خرج هذا المدَّعي عن هذين الضابطين:
1-أصول الفقه
2 -الإجماع إلزاماً ثم الجمهور ترجيحاً
فاعلم أنه:
– لا علم له بالسلف ..
– ولا التزام عنده بالسلفية ..
– ولا ائتمان عليه في الانتماء إليها ..
ما دام لم يسلك سبيلها المعتبر تأصيلاً وتفريعاً..
ولذلك قلنا من قديمٍ:
•لا سلفيةَ إلا بعلم أصول الفقه• ..
•وأولى الناس بالإخراج منها من لم يكن أصولياًّ•..
وقد جاهر ابن تيمية بربط هذا المفهوم بالإجماع المتحقق في مواطن من كتبه؛ ومنها قوله الصريح:
فالذي يجب على المسلم اعتقاده في ذلك وغيره هو ما دلَّ عليه الكتاب والسنة و •اتفق عليه سلف المؤمنين• الذين •أثنى الله• عليهم وعلى من اتبع سبيلهم، وَذَمَّ من اتبعَ غير سبيلهم“. (المجموع12/235).
فتأمل تنصيصه رحمه الله على*الاتفاق البياني* وعلى الثناء الربَّاني؛ تُدركْ تهافتَ ما يروجه بعض الدعاة الفضلاء من اعتبار فهم السلف في كل زمن معياراً بشخصٍ كالإمام أحمد في زمنه وابن تيمية بعده ثم ابن عبد الوهاب بعدُ ثم الألباني في زماننا ونحوه ..
فهذا اختزال للأمة في ثلاثة من شيوخنا الأجلاء: “ابن باز وابن العثيمين والألباني”رحمهم الله؛
في غفلة عن كافة علماء الأمة؛ وكأن الأمة لم تلد من الفحولِ سواهم!
ولعمري إنها لإحدى الكُبر، ولو كانوا أحياءً لنصبوا له المزدجَر ..
ولا يخفى ما فيها من التضليل الماكر بالأمة ووحدتها في تعدد مدارسها بقصد تحجيمها وتحجيرها؛ ولذا نص العلماء كابن تيمية وغيره على أن العبرة باتفاق الأوائل وما قاربه حسب قواعد الأصول، وما عدا ذلك فمن هذيان أدعياءالسلفية ..
وأما إذا رأيتَ رجلا يُعَادِي هذا العلم الشريف ويزهد في جدواه ويضخم من التعقبات الواردة في بعض مسائله -كأي علم متمددٍ وكأي جهد بشري- فاعلم أنه مُزَهِّد في الكتاب والسنة مُعادٍ للسلفية الحقة والسنة المحضة؛ فاحذره وحذِّرْ منه ..
بل إن من كبريات الخلل في أدعياء السلفية المعاصرة هو الإهمال الشديد لهذا العلم الشريف -إلا بعض التفاتة بأَخَرَةٍ في بعض الجامعات – جعلت منه شيئا هو إلى الذم أقرب؛ وأنه أرسطي كلامي مُضِلٌّ مبينٌ، وأنه يجزئ منه النظر في ورقات إمام الحرمين!
في وقت صُرفت فيه الأنظار واستنزفتِ القُوىٰ إلى الجدل العقائدي المرير والتراشق النظري لمباحث من مصطلح الحديث والجرح والتعديل والتصحيح والتضعيف؛ وأهمل بشكل مريب: “الدرس الفقهي” و”الدرس اللغوي” و”الدرس الأدبي” و”الدرس التاريخي”، و”الدرس الأصولي” الأكثر أهمية؛ بل جعلوه دليلاً على الانحراف والضياع ..
وأنه من حفريات الأزهر الأشعري والقرويين الصوفي … الخ الخ …
فانبنى على هذا الإهمال العدائي ما شاع من الفساد الفقهي والضمور الاجتهادي والقصور الإبداعي؛ فضاقت المدارك عن السَّعةِ ومواكبة النوازل وتحملِ الخلاف؛ مع ما رافق ذلك من ظلم لكثير من المباحث وفهم سقيم لكثير من الأحاديث والسنن، وتنطع في الترجيح وتشدد على فقه التيسير، وهجرٍ لمراعاة المقاصد والاستحسان والمصالح..
بل وكفرٍ أحياناً بالقياس وبالإجماع وبالمجامع العلمية وما تقدمه من جهود مشكورة معتبرة في تحقيق الاجتهاد الجماعي المعاصر؛ وبالأخص في فقه الأقليات والسياسيات الحديثة “كالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” ..
لا لشيء سوى لأن العلامة القرضاوي•الإخواني• !! رئيسه !!
فانتكس المنهاج وهزُل الاحتجاج واتسع اللَّجاج …
ولستُ أنسى هنا واقعةً حدثت لي شخصياًّ بعد أن قضيت أربي من بلاد شنقيط بين الفحول والكبار ما بين 1990إلى1998بحمد الله تعالى؛ ثم توجهت لإكمال ما تيسر في بلاد الحرمين عند علماء المشرق الأجلاء؛ فوقع اختياري في الانتساب الرسمي على كلية الشريعة لكونها في نظري أجمعَ مواداًّ وأوفى مقررات؛ فإذا ببعض طلبة الجامعة الإسلامية المبتدئين من المغاربة الطيبين يُقبلون عليَّ يَزِفون مستفسرين مستنكرين: ((أليست كلية الحديث أحسن وأن أهل الحديث هم الطائفة المنصورة؟!
وددنا يا شيخ لو تُغير فأنت شيخ سلفي والسلفيون لا يدخلون كلية الشريعة))!
فاستغربت حالهم فنصحت لهم وكنت سببا لبعضهم أن غير كليته ووسع نظرته ونوَّع في الحرمِ شيوخه؛ وبعض من لم يقتنع بنصيحتي لم تمر إلا برهة حتى صار من حَمَلَةِ نعال ربيع المدخلي، وبعضهم اليوم من حملة المدخلية في المغرب هدانا الله وإياهم ..
ولكن بعضهم متمدخِلٌ في لَبوس الطاعة للولاة والتحذير من الفتن والعداء للإخوانية المظلومة المتكالبِ عليها بالاعتداء والبهتان والمبالغات؛ وما هم والمدخلية إلا توأم سيامي ..
فهؤلاء الشباب لم يعادوا كلية الشريعة إلا معاداةً منهم لعلم الفروع “المذهبية زعموا”، ولعلم الأصول “الكلامية زعموا”، ولدعوة الإسلام الشاملة “الحرَكيةَ زعموا”..
ولاعتقادهم الفاسد في معنى الفرقة الناجية والطائفة المنصورة الذي أفسدته ألسن أدعياء السلفية المبتدعة.. والله المستعان.
فإذا ضبطتَ هذا الأصل بهذا الميزان زالت عنك بإذن الله إشكالات كثيرة تتعلق بتحديد مفهوم “السلف”، ومفهوم “فهم السلف”، في “الزَّمنيةِ” وفي “التفسيريَّةِ” وفي “التطبيقيةِ”…
ولم تغتر بقولٍ عاثرٍ عن قَوْلٍ عابرٍ، ولم تنحصر في موقفٍ نادرٍ من زمنٍ غابرٍ؛ وإنما أخضعتَ الجميع لميزان العدل والإحسان الذي هو أساس السنة والقرآن، وأخذتَ الكتاب بقوة ورحمة؛ مستجيباً لقول الحق سبحانه:
﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب و*الميزان* •ليقوم الناس بالقسط• وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز
والله ولي التوفيق .. والحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً

Book 2

🌾{إبداعُ الفروع}🌾

🌾{ إبداعُ الفروع }🌾 -من إبداعات فقهاء الإسلام في تدوين علوم الدين وتوارث المعرفة؛ تصنيف ...

تعليق واحد

  1. محمد نور إسلام المراكشي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أود من فضيلة الدكتور، بعد كلامه عن مفهوم السلفية أو فهم السلف، أن يقدم لنا -مشكورا- مقالا شافيا -كما العادة- عن جذوى التسمي بالسلفية في عصرنا الحالي؛ هل بقيت له الفائدة نفسها أم قد طاله التطور والتأثر في جانب فائدته، إزاء ما أصابه من ذلك في جانبه الدلالي؟

    عفوا، وحتى أكون واضحا أكثر، لماذا بدَل أن يقال: “لا سلفيةَ إلا بعلم أصول الفقه”، أن يقال مثلا: لا فقه ولا علم صحيح إلا بعلم أصول الفقه، ولا فقيه عالم إلا إذا كان عالما مطبِّــقا ممارسا لأصول الفقه في كتاباته وفتاويه…؟

    وكذلك: هل مطلوب من الناس أن يكونوا سلفيين أم عموم الإيمان والإسلام يجزئهم في الحساب أمام الله تعالى وفي معاشهم في الدنيا؟
    فالخطاب بالسلفية معلوم أنه خاص لأولي الاختصاص، كونه ليس لفظا قد عممه الشرع على الناس كما عمم الدين والإسلام والإيمان، كما هو في قوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا} وقوله: {إن كنتم مومنين} وقوله: {إن الدين عند الله الاسلام} وقوله: {هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا} وكما ورد في حديث جبريل الذي يعلمنا الدين؛ تكلم فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاث مراتب: الإسلام-الإيمان-الإحسان، بخلاف مصطلح السلفية الحادث الذي إنما هو مذكور على وجه من الندرة لا يرتقي بها إلى ما ينبغي مخاطبة الناس به، هذا غير كون الاستعمال الذي ورد به في نصوص الشرع -كما تعلمون فضيلتكم- لا يعدو استعمالا لغويا، ولو أن يكون الرسول هو قائله، صلى الله عليه وسلم، أو حتى أن يكون هو مذكور في القرآن الكريم، بإحدى اشتقاقاته، كقوله عليه السلام: “نِعمَ السلف أنا لك..”، أو كقوله تعالى: {عفا الله عما سلف} أو قوله تعالى: {فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} وغير ذلك..

    فليس مجرد ورود اللفظ بأحد صور اشتقاقاته في نصوص الشرع بما يجعلنا نعتبره يجب الاجماع عليه بوصفه مصطلحا شرعيا مقصودا كالصلاة والزكاة، ولا بمشفع لنا في تقييم الناس بحسبه، بل حتى إجماع أهل السنة لا يعطيه هذه القوة ليكون معيارا لتفاضل الناس عموما، ربما يصلح في خصوصهم من العلماء، حين يكون دالا على شروط يجب توفرها فيه كإمام قائد للأمة، أو مؤسسة لها صفة العالم المعنوي.
    وفضيلتكم أدرى بمخاطر تنزيل مصطلح على واقع مختلف عن الواقع الذي خُلِق فيه وترعرع ونمى، فمجتمعات القرنين 3 و4 تختلف ثقافتها عن مجتمعات الوقت الحالي جدا، رغم كونهما ثقافتين إسلاميتين عربيتين، لكن إذا تغيرت أحوال القلوب بالشكل الجماعي، كان لذلك وزنا وأثرا في الحكم على ثقافة المجتمع، وهو ما حصل في هذا الأمر، وأما الندرة من الناس الذين يحاولون أن تكون لهم قلوب من الصفاء والنور كما كان للأولين، فهذا لن يكون له حكم تستحقه الأغلبية، بل سيكون الحكم على الواقع هو حكم الأغلبية، ولن يكون وصف واقعنا إلا ما تعانيه الجماعة وتسير عليه الأمة في مصيرها السياسي والاجتماعي والثقافي من الانحراف والضلال والتيه وما أنتم به أعلم فضيلتكم.
    فمصطلح السلفية إذن لن يكون له تلك الفائدة التي تُـظَنُّ فيه، بقدر ما يجب أن ننتظر من مصطلحات أخرى أوضح منها وأقرب للشرعية، مثل: عالم وفقيه ومومن ومسلم وأضراب ذلك؛ ننتظر منها لمّ الشمل وتوحيد الكلمة وإخماد نار الفرقة.
    أرجو منكم جوابا في مقال مستقل، هو أرجى فائدة من الرد في تعليق، جزاكم الله خيرا وبوركت دعوتكم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *