السلفيةُ: فَرَحٌ بالنقدِ البَنَّاء أصيلِ البِنَاء ..

السلفيةُ: فَرَحٌ بالنقدِ البَنَّاء أصيلِ البِنَاء ..

كلما مَرَّ بِنَا حدَثٌ مجتمعي أو طارئ دعوي أو منكرٌ فكريٌّ منهجي أو عملي؛ فواجهناهُ -غير مستأثرين ولا مُحَجِّرين- بما نستطيع من حكمة البيان وواجب النصح قياما -بإذن الله- لله وشهداء بالقسطِ؛ حتى نساهمَ في بلوغ المرام “بحتمية الإصلاح” الذي لن تتحقق أمانيه إلا بدوام المحاسبة لكل ذي مسئولية؛ بكل تثبت وحزم وبِكُلِّ عدل وإحسان؛ لا يراعى في ذلك إلا إعلاء الحق مع رحمة الخلق …
غير أنه لا ينقضي عجبي ممن يريد حملنا على الانزواء في الأمور المجتمعية اعتزالاً أو يفصِّلها بحسب هواه اختزالاً؛ ويطمع أن يكمم أفواهنا باحتياطاتٍ جبانة واحترازاتٍ مرتعشة لا علاقة لها بفقه الاحتياط إلا الوهَن، وتارةً بتأدباتٍ باردة حينما يتعلق الأمر بالأمور الدعوية التي يقع فيها بعض العاملين من شيوخٍ ودعاة وتكون واضحةَ الخرق والاختراق بل والاختلاق أحياناً؛ وهاتكةً لمحكماتِ الدين التي لا يدخلها الاجتهاد فضلاً عن الإمرار والإقرار؛ بحيث لا يسعك السكوت أبداً أبداً عند كُلِّ من شَمَّ رائحة العلم والمروءة فضلاً عن العلماء والكبراء والفضلاء؛ لأن دين الله أحق بالحماية وحراسة حدوده من الطوَّام التي قد يوقَّعُ عليها باسم السنة والسلفية؛ فنحن لم نقصد شخصاً في خصوصياته ولا انتهكنا عرضاً نُسأل عنه في الدنيا ويوم القيامة؛ ولا أكلنا لحوم عالم ولا عاميٍّ غيبةً ونميمةً وإفكاً وإرجافاً ..
ولا سعينا لإسقاط مسلم أو تمنينا له أذىًٰ ظاهرا ولا باطناً؛ فضلاً عن أن نهدر حقوقه الدينية والدنيوية من مكانةٍ أو وشيجةٍ من مالٍ أو دَمٍ عياذاً بالله تعالى كما يقع من كثيرين في حقنا وفي حق كثير من المصلحين؛ فجنوا على أنفسهم ومقتهم كل ذي عقل وخلق ودين -عليهم من الله ما يستحقون- وازداد المبتلون بهم رفعةً وعزَّةً ويسراً ونصراً؛ لأن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب ..
ولكن حينما تكون منهمكاً في أعمالك ومعاليك واهتماماتك السامقة؛ منافَسَة على مراتب الرضى الرحمانيِّ السابقة، ثم بغتةً يصعقك المخطئ بغريب الأخطاء ويفاجئك بسيء وشنيع المواقف ..
وربما طغت تلك الأخطاء وتلك المواقف كما بيناَّ في مواطن إلى درجة الجرائم في حق الفكر والدين والدعوة؛ فلا تجد بُدًّا بعد كل وسائل التدرج في التناصح والوسائط والتغاضي والتلطف سراًّ و علانيةً؛ إلا أن تصدح بالحق وتصدع بقوله رعاية لجنابه؛ ونصرة للظالم بحمله على التوبة من ظلمه لدينه ولأمته؛ بل ولنفسه أن يوقعها في تَلاوُمِ الدارينِ كما في حديث الترمذي عن الصديق الأكبر أبي بكر أنه قال: “أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه” ..
وهنا أتذكر ما ربَّانا عليه شيوخنا من قول العلامة محمد مولود اليعقوبي -وقد حفظها وكتبها عني كثيرٌ من الجاحدين- :
ردُّ الأجلاَّءِ على الأجلاَّ * من الأبين والشيوخ دَلاَّ

معَ قبولِ كلٍ واحدٍ نَبِهْ * له على قبولِهِ أو طَلَبِه

ردّ على مالكٍ ابنُ القاسمِ * وابنُ ابنِ عاصمٍ على ابنِ عاصمِ

وابنُ ابنِ مالكٍ على ابنِ مالكْ * ولم يَعِبْ صاحبُ نقلِ ذلكْ

كذا الرهوني على رسوخه * قد أكثر الرد على شيوخه

وذاك عندي أن حق الحقِّ * مقدًَّمٌ على حقوق الخلقِ.

إن من أهم أصول الدين: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة في الدين لصلاح الدين والدنيا؛ ويتأكد ذلك فيمن يوَقِّع باسم الله متعمِّماً أو متجلْبِباً؛ فلا محل معه -بعد خطوات الرعاية والوقاية والهداية- للأدب البارد ولا للصوفية المقنعة “لا تعترض فتنطرد”؛ ولا للدروشة والتلبيس باسم أخلاق الرهبانية والمعصومية الرافضية والإشارات الخفية والمصالح الوهمية ..
فالسلفية تحرس الفضيلة بالفضائل وتقف على الحدود أن لا تعتدى: “وتلك حدود الله فلا تعتدوها“.
والواجب على أَتباعِ السلف “الفرح بالنصيحة” إن وجدوا من يحتجزهم عن الغي والضلال؛ وكذلك كان سلف الأمة رحمهم الله يحبون من يهدي إليهم العيوب، ويفرحون بمن يمهد لهم تكفير الذُّنوب ويفرغُ عنهم الذَّنوب؛ لا أن يجعلوه عدوًّا وينبذوا قوله الحق الصدقَ وراءهم ظِهْرِياًّ، ثم يتخذون كل وسيلةٍ منكرةٍ لتبخيس نصحه وتخييله قولاً فَرِياًّ؛ كما قال الله تعالى: {وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم}
ساءلتكم بالله أي عقولٍ هذه وأي قلوب؟
وكيف تطيق نفوسهم ما تجري به ألسنتهم و تُبيِّته نواديهم؟ لقد كان أئمة العلم والدين على النقيض من هذه الحال التي نعيشها في زماننا؛ ولقد قيل لبعض العلماء -وقد اعتزل الناس وكان منطويًا عنهم حتى هجَر طلابه أيضاً-:
“لِمَ امتنعت عن المخالطة”؟
فقال: “وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي”.
ولستُ أنسى أني لما ذهبت لعيادة شيخنا العلامة بكر أبوزيد رحمه الله في زيارة مباركة أكرمني الله بها لأبلغه سلام أخيه شيخنا العلامة ابن عدود رحمهما الله، وسألته عن تقلله من الطلبة -انصرافاً للكِتاب وبعض الزوَّار الذين يحبهم ويجلهم أتم الإجلال كالعلامة الددو-؛ فقال رحمه الله:
“وهل رأيتَ طالباً؟!
إن كثيراً منهم نقلةُ فتنٍ؛ بطلةٌ وليسوا بطلبةٍ- أي بَطَّالينَ”.
وقد ذُكر لجبل السنة الإمام المبجل أحمد بن حَنْبَل أن عالماً يذكرُكَ؛ ينكر عليك وينكر على غيركَ ما يرى من خللٍ فاغتبط الإمام وشجع، ولم يتمعَّر ولم يحتكر، ولم يحارب ولم يكمم؛ بل كان موقفه كما ذكر الحافظ ابن رجب في “الحكم الجديرة بالإذاعة” (ص 43):
“وقد رُوي عن الإمام أحمد أنه قيل له: إن عبدالوهَّاب الوراق ينكر كذا وكذا، فقال: لا نزال بخير ما دام فينا من ينكر، بل إن الإمام أحمد بالغ في سعة صدره لمخالفه وناصحه حتى وإن قَسا عليه؛ فقد صحَّ عنه أنه سَأل بعض تلاميذه: “من أين أقبلتم”؟
قالوا: من مجلس أبي كريب.
فقال: “اكتبوا عنه؛ فإنه شيخ صالح”.
فقالوا: إنه يطعن عليك!!
قال: “فأي شيء حيلتي؟! شيخ صالح قد بلي بي”. «السير» (11/317)
ومن هذا الباب: قول عمر لِمَنْ قال له: اتق الله يا أمير المؤمنين”.
فقال: “لا خير فيكم إن لَم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم”اهـ
وكان يقول: “رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي”.
وكان يسأل سلمان عن عيوبه، فلما قدم عليه قال: “ما الذي بلغك عني مما تكرهه”؟
قال: “أعفني يا أمير المؤمنين”.
فألح عليه، فقال: “بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل”.
قال: وهل بلغك غير هذا؟
قال: لا.
قال: “أما هذان فقد كفيتهما”.
وفي المأثورات من حكم علي رضي الله عنه قوله: “ليكن آثر الناس عندك من أهدى إليك عيبك وأعانك على نفسك”.
وقال: “ليكن أحب الناس إليك من هداك إلى مراشدك وكشف لك عن معايبك”.
وقال: “من أبان لك عيبك فهو وَدُودَك”.
وقال: “صديقكَ من صدقكَ وكاشفك في عيبك وحفظك في غيبك”.
إن العاقل ليفرح أشد الفرح “لو أن إنسانًا نبهك أن في ثوبك أو خفك أو فراشك حية أو عقربًا لشكرته ودعوت له وأعظمت صنيعه ونصيحته واجتهدت واشتغلت في إبعادها عنك وحرصت على قتلها.
وهذه ضررها على البدن فقط ويدوم ألمها زمناً يسيراً..
وأما زلاَّت الفكر الدعوية والمواقف المُزرية وضرر الأخلاق الرديئة؛ فإن ألمها على القلب وعلى الدين وعلى الأمة؛ بل ويخشى أن تدوم حتى بعد الموت فتحاصر المرءَ خطيئاتُها وتحيطُ به في الآخرة ..
فكيف لا نفرح بمن ينبهنا عليها ولا نشتغل بإزالتها”؟
وصدق الحق سبحانه إذ قال: “ولكن لا تحبون الناصحين”
هذه هي السلفية وهذه هي مواقف السلف: تناصح ساخن في تراحم ناعم، وتواصلٍ متناغم لا تنعدم فيه سلامة الصدر باعتداء، ولا يكدر صفاء النفوس بانتقام ..
بل تبقى صدقات الابتسامات مبذولةً بالحق، وصداقات أخوة الإيمان أوْثَق .. والحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً

Book 2

🌾{إبداعُ الفروع}🌾

🌾{ إبداعُ الفروع }🌾 -من إبداعات فقهاء الإسلام في تدوين علوم الدين وتوارث المعرفة؛ تصنيف ...

تعليق واحد

  1. لابد من نقد ذاتي للفكر السلفي المعاصر ، لأن بعض المنتسبين إليه اليوم ، لايحسنون تنزيله على أرض الواقع ، فكم من مريد للخير لم يدركه ،وما أحوجنا لمن يهدي إلينا عيوبنا ،
    أيها الشيخ الفقيه جزاك الله خيرا .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *