كيف نواجه مآسينا ونداوي جراحنا؟

كيف نواجه مآسينا ونداوي جراحنا؟
(دعوة لرص الصف وإحكام الإعداد ..)

الوضعُ في حلَبٍ وفي عموم مآسي الأمة يؤكد رؤية العلماء الصالحين المصلحين الناطقين من معين الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين وسلف الأمة الصالحين ؛ بأن لا بديل عن تكامل الأمة في إطار وحدتها وتذويب فروقها الوهمية وتخفيف وتيرة الخلافات السائغة وتصويب الأخطاء المرحلية عند الجميع دولاً وشعوباً و نُخَباً .. ؛
فلن تُقاوِم الأمةُ إلا بإعداد ولا إعداد إلا باستعداد ولا استعداد إلا بإِمداد الأَمداد في كل العوالي وفي كل الوهاد ؛ وحينما نتكلم عن الإعداد فليس معناه الركون والدعة أو السعي للمعصومية أو الربط الخيالي في النتائج وكأنك في العالم وحدك أو بالتهييج الفارغ الأجوف أو بالتبشير بالمهدي المنتظر .. بل هو عملية تراكمية يمتزج فيها البذل بالعطاء والإعداد بالإمداد سِجالٌ فيه تَنالُ وَتُنال ؛ لأن من تمام الإعداد خوضَ التجارب والاستفادة من الإخفاقات ومقاومة أعداء الأمة بالفكر وبوسائل التأثير كالإعلام وكالسياسة بحسب جهات الأمة وتحدياتها ؛ فما نرى من مآسي رغم قسوتها فهي داخلة في إعداد الأمة واستعدادها ؛ وكيف لا يكون كذلك وقد كان الابتلاء خير مدارس الأنبياء والصالحين عبر التاريخ وكان السجال بين الرسل ومناوئيهم خَيْرَ معلِّم و خير زادٍ و خير قوَّةٍ .. ؛ فالإعداد بهذا المفهوم تخطيطاً وتحديداً وتَحمُّلاً ؛ هو المعتبر شرعاً وعقلاً وما عداه من الوسائل البِدائية أو المراثي التخويفية فكبسولاتُ تخديرٍ وإزْباد ؛ و مَكْرٌ خَفِيّّ للإبعاد عن الإعداد ..
فبدءً “بالعلم” بمفهومه الشامل لكل نافع في الدنيا مبرور في الآخرة ؛ وهذا هو ما دعت إليه الأدلة وصرح به عامة العلماء ؛ وليس كما يظن بعض الناس -خطأً من بعض الفضلاء وتضليلاً من المدسوسين لكي يُحَدَّ فِكر الطلبة وتضيق معارفهم وتضعف تأثيراتهم – مِن قصْر فضل العلم على الشرعي خاصة ؛وهو و إن كانت مَزِيَّتُهُ ظاهرة لشرف متعلقه ولكنه ليس مخصوصا بفضائل الطلب وأجور التحصيل ؛ بل تلك الفضائل والرغائب تشمل كل طالب علم نافع مع الله ومع عباد الله ؛ فإنه تسهَّل به طرق الجنان وتتواضع له ملائكة الرحمن ويستغفر له الكون حتى الحيتان لأن الجامع هو “معلم الناس الخير”…الخ الخ
ثم بعد هذا السعي القائم المستمر بحمد الله في نهضة الأمة بثورة العلم -رغم التعويق الماكر- ؛
فلا بد من “العمل الصالح” الذي فيه قصد الله بالطاعة وقصد الأرض بالإعمار وقصد الإنسان بالإحسان ؛ “عمل صالح” لا يعتريه تجزئة ولا ينقضه تفريق بل شامل لكل مجالات الحياة و مستوعب لكل قنوات التدافع ؛
وإن تحتم توزيع الجهود للتخصص العميق فلا بد من جعل محورٍ تجتمع فيه التخصصات لأداء عملها ولو بالمؤازرة والتأييد ؛ فيلتقي الثريُّ بالفقيه والفقيه بالسياسي والسياسي بالخبير الاستراتيجي وهكذا ؛ فمهما وزعتهم التخصصات فإن إيمان العمل الصالح يوحدهم لأداء رسالة الأمة المعتصمة بجماعتها وبحَبْل الله الممدود …
معاشرَ المسلمين لِنَعُدْ إلى الأمة و لْنَعُدْ إلى الجسد الواحد ؛ فدين الله لا يقبلنا ولا يظهر فينا ولا بِنَا ونحن عِزينَ نتخذ القرآن عِضينَ ..
ولنصبر على قَرْحِ الأيام فتلك الأيام نداولها بين الناس ؛ فلا تهنوا رغم سطوة الباطل ولا تحزنوا رغم قلة الناصر وكثرة الخاذل ؛ وتذكروا ابتلاء الأولين من المستضعفين كبلال وآل ياسر ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى .. ولا عليكم من إخوان المنافقين الذين قال الله عنهم : ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ الذين إن رأوْا فزَعاً سَلَّموا هَلعاً ولو أُرشوا بأوقيةٍ لَلَبَّوا طَمَعاً شعارهم على الدوام “طعْن المصلحين ودعْم المفسدين” ؛ ففي الرَّخاء يفرقون الأمة بكثرة الخلاف وفقه العزوف والاستخفاف ؛ وفي الشدة يبثون الخوف وينصرون الظلمة ويظهرون الولاء للمعتدين ويلقون باللائمة على المستضعفين والمصلحين بدعوى الفتنة “ألا في الفتنة سقطوا” كما قال الحق عن إخوانهم من المنافقين”﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون﴾﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾﴿إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون﴾﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون
فلا يغرنك تقلبهم في البلاد ولا تخيفنكم هزيمة في أدنى الأرض … وهذه عقيدة ربانية-وإن كنّا-غفرانك اللهم- نمقت أنفسنا إذ نحن عنها بمعزلٍ ولم نقدم لديننا ولا لأمتنا شيئاً رحماكَ ربَّنا – قد خاطب الله الأمة بها في صورة بيانٍ عام وبلاغٍ هامٍّ فقال الحق سبحانه : ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾ وهي وإن كانت في كل القرآن غير أنها بالآيتين بعدها أخص إذ قال تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين﴾ ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين
إن ما يقع اليوم في الأمة هو امتحان عظيم لتقصيرنا في حق ديننا الكامل بتجزئته وتشويه الانتماء إليه ؛ ولتفريطنا في حق الأمة بتفرقة كلمتها لصالح عصبيات وحزبيات وفروعيات ..
فلنرجع كلنا لدين الله كله ولنرجع كلنا للأمة كلها أمةِ السنة الهادية والجماعة الواقية ؛ فلستَ متبعاً للسنة يا من لا يُقاربُ بين أمتها ولا يترك عضواً من جسدها ولا يتحمل همها وآلامها وآمالها ؛ ‏قال ابن مفلح:‏((ظاهر كلام أصحابنا أن نصرالمظلوم واجب وإن كان ظالما في شيء آخر وأن ظلمه في شيء لايمنع نصره على ظالمه في شيء آخروهو ظاهر الأدلة)) ؛ ولا أنتَ في “أمة الجماعة” يا من لا يجعل ميزانها هو دين الله وقائدها هو رسول الله ؛فلا سنة إلا بجماعة ولا جماعة بغير سنة ؛ لنرجع رجوعاً بتوبة نصوحٍ أجمعين قادةً وشعوباً أفراداً وجماعاتٍ ليتميز الخبيث من الطيب و ينكشف الظلمة وأعوانهم من المنافقين والمخذلين والشامتين وما أكثرهم في عصرنا وقد كشفوا وأقل ما يقعون فيه من المنكر مخالفة الوصايا النبوية كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (رواه مسلم). قال ابن الجوزي: “إنما جعل المؤمنين كجسد واحد لأن الإيمان يجمعهم كما يجمع الجسد الأعضاء، فلموضع اجتماع الأعضاء يتأذى الكل بتأذى البعض وكذلك أهل الإيمان، يتأذى بعضهم بتأذي البعض“.إهـ
فيشد بعضهم بعضا في تكاثف قوةٍ كتشابك أصابع اليدين ؛ و في تراصٍّ للبناء كالبنيان الشامخ ؛ كما تواترت بذلك الكلمات النبوية بتشبيهاتها البليغة التي أطبق الشراح كابن بطال والقرطبي وابن الجوزي والنووي وابن رجب وابن حجر وغيرهم على أنها أخبار بمعنى الأمر المفروض تحريضاً على التعاون و سد الثغرات وتكميل النواقص وتحمل التبِعات والعقبات مع حرصه صلوات ربي وسلامه عليه على التحابب والتوادد والتعاطف والتراحم وتعليق جميع ذلك بصريح الإيمان الذي لا يحققه المكلف إلا إذا قام بالواجب عليه مع المؤمنين .. قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم : (( هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض ، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثمٍ ولا مكروه .. ))إهـ
فلنستمر في الإعداد المتكامل لا تغفلوا باباً ولا تهملوا ثغراً ؛ واستعينوا على النصر بكل الوسائل ولو بشق تمرةٍ ؛ ومن زهدكم في بابٍ أو مالَ للطعن في عاملٍ لا ناصحاً ولا راحماً ولا متحمِّلاً متكاملاً ؛ فاعلموا أنه من أهل الخَبال المُوضِعينَ في الخِلال ولن نزداد إلا إصرار على”يقين الإيمان بالعلم النافع الشامل والعمل الصالح المتكامل يداً واحدة مع رجال الأمة الأبرار لمواجهة كل العوادي والأشرار والأخطار” فهذه الفتن مهما عظمت فهي فرصة سانحة لتجديد عزائم الأمة وربطها بربها و إمعانها في مقامات النهضة واليقين والتي من أبرزها
بعد تقوية مقام اليقين رضاً بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحد نبياًّ وبالقرآن إماماً ؛ تقوية :
-مقام : – اليقظة الدائمة والإعداد الشامل والوحدة التكاملية ..

-ومقام : -الانتصاف من الظالمين ومحاسبتهم بالحق والعدل أمام الدنيا ..
ورحم الله العلامة البشير الإبراهيمي إذ قال:(( فلو أنكم آمنتم بالله حقَّ الإيمان، وعملتم الصالحات التي جاء بها القرآن، ومنها جمع الكلمة، وإعداد القوة، ومحو التنازع من بينكم، لأنجز الله لكم وعده، وجعلكم خلائف الأرض، ولكنكم تنازعتم ففشلتم وذهبت ريحكم، وما ظلمكم الله ولكن ظلمتم أنفسكم. أيها المسلمون: عيدكم مبارك إذا أردتم، سعيد إذا استعددتم. لا تظنوا أنَّ الدعاء وحده يردُّ الاعتداء، إنَّ مادة دعا يدعو، لا تنسخ مادة عدا يعدو، وإنما ينسخها أعدَّ يعدُّ، واستعدَّ يستعدُّ، فأعدوا واستعدوا تزدهر أعيادكم وتظهر أمجادكم.)) إهـ (آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ) (4/467)
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..
والله تعالى أعلم .. والحمد لله رب العالمين ..
( محبكم المُقصِّر العاجز المقهور : عادل رفوش )

( وقريباً بحول الله ترقبوا مقالة تفاعلية في وجوب توحيد العمل الإسلامي في المغرب وكيفية تحقيقه راجين من كافة أبناء الأمة حسن المساهمة بما فيه خير للإسلام وللمسلمين ولثوابت هذا الوطن الكريم بعرض الأفكار و طرح الخطط و نظراً وعملاً … )

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *