الاحتفاء بالسيد المسيح

الاحتفاء بالسيد المسيح

تأملتُ في رأس كل سنةٍ ميلاديةٍ وأنا أترقبها لضبط بوصلة مخططاتي السنوية ومراجعة ما فرط مني كما هي عادتي أيضاً في شهر رمضان المعظم..
فرأيتُ أنَّ من أجدر الأشياء بالتأمل ونحن أمة كان يناديها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: “يا أهل سورة البقرة” إعلاءً لمعالم هذي السورة العظيمة التي جاءت بتفاصيل الإنسانية منذ ميلادها الأول بخلق آدم أبي البشرية ثم ميلادها الثاني بإرسال إبراهيم الخليل أبي الأنبياء الذي كان حجة على بني إسرائيل وعلى النصارى وعلى المسلمين؛ وكان أولى الناس به من التزم ملتَه واحترم شِرْعتَه قال تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سَفِهَ نَفْسَهُ)
وختمت تعاليمها العالية بالوصية الكاملة: (آمن الرسول بِمَا أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله..)
إذا فنحن أمام رسالة سامية تجعل من كل مناسبة لَحْظةً لربط الصِّلة بأقانيم الهدى في هذا الكون؛ وهم أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ..
ولكننا حينما نعيش في لحظات السنة الميلادية ونحن نتشوَّف فيها إلى معاني ذلك الرسول الكريم عيسى ابن مريم الذي جعله الله وأمه الصِّدِّيقة آيةً للعالمين؛ وكان وهو نبي المحبَّة والسلام مثالاً للتعلق بالله سبحانه والتزهد في المباحات والصبر على الأعداء وإذابة الأحقاد وإذاعة الإحسان ..
ثم نجد بقاعاً من الأرض تضيف إلى شرورها ومنكراتها شروراً أكبر ومنكراتٍ أكثر بما تذيعه من عصيانٍ للربِّ ونشر للرذائل وإفسادٍ في العقول بالمخدرات والخمور وتحريف للأفكار بالخرافات وفاسد المعتقدات وإحياء لليالي بسهرات الدعارة والمجون ..
وأقلهم حالاً أقوامٌ يقلدون بغير هدى ويتبعون عادات الغالبين بحلويات ورقصاتٍ وشموع …
فهل يا تُرى -ولنفترض أننا سنتكلم تنزُّلاً بغير لسان الفقهِ والعقيدةِ حلالاً وحراماً- لو كان عيسى بيننا وكان هذا التاريخ صحيحاً وكان هذا الاحتفال سائغاً؛ فهل هذه المظاهر المنتشرة في عالمِ العولمة سترضيه أم أنها ستجعله يجأر إلى ربه هَلعاً وبراءةً من هؤلاء الأقوام الذين أحدثوا في كون الله ما لا يرضيه وعصوه في ملكه وكفروا به وبنعمه؟
أفلن يكون المسيح عليه السلام أشد حزناً وبكاءً وهو الذي لم يصبر على المنكر حتى في حِجْر أمِّه ونطق بالحق وما زال في المهد صبياًّ؟
كيف سيصبر على ضلال هؤلاء الأتباع من نصارى ومن مسلمين وهم يجهرون بالكبائر والشركيات وهو الذي أشهده الله عليهم فقال: (سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بِحَقٍّ).
ثم قال : ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد
إن هذا النبي الكريم هذا الرسول الرقيق هذا المسيح السَّرِي السَّنِي ألينُ قلباً وأوثق حباًّ بربه سبحانه من أن يتحمل ما يبارزه به عباده من المعاصي والمنكرات؛ إن عيسى كان مثالاً للمحبة وللعبادة وللإحسان وهو البشارة بعد البلاء وهو المؤيد بروح القدس وبالبينات وهو كلمة الله الوجيه في الدنيا والآخرة ومن المقربين حتى كأنه ملكٌ في بشريته: “لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون
فاتخذ من عبادة الله شرف حياته ..
فكيف سيرضى أو يفرح عمن يخل بحقوق ذلك المعبود العظيم؟
كيف يرضى “المسيح المطهر” بمناسبة تجتمع فيها النجاسات والخلاعات؟؟
هل هذه هي التعاليم التي ورِث من إبراهيم وموسى وبشر بها عن نبينا محمد:
﴿وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين
هل الهدى والنور هو تلك الظلمات التي تملأ الأرض وإن أضاءت بالألوان أبراجها وشجراتُ أرزِها؟؟
إن عيسى لم يترك البشارة بالمغفرة فقط بل ترك الوعيد من العقاب لمن يخالف سبيل المرسلين فقال الله عنه : ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون
فهي وصية عيسى الخالدة أنه يلعن منكرات المعاصي والآثام والخلاعات؛ وجرائم الاعتداء على الحقوق والأبرياء والحرِّيات وكل ما فيه عصيان لرب السموات وباري البَرِيَّاتِ …
إنه نبي الله عيسى الذي جاء بالحكمة وبيان الطاعات روحاً من الله وهو قول الحق الذي فيه يمترون ..
فهل يا عباد الله يليق بِنَا أن نجعل من هذا الزمن وبالأخص معاشر المسلمين سببا لمخالفة التعاليم وإغضاب رب العالمين وأنبياءه المكرمين وعلى رأسهم نبينا عيسى ونبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟؟
أين هي وصاياهم ومواعظهم؟
أين هي صحفهم وآياتهم؟
أين الرأفة والرحمة التي جعل الله أمارة للذين اتبعوهم؟؟
إن مخالفة المعلم تقتله فلا ميلادَ .. وتَغُمُّه فلا بشارة بالفرح العظيم ..
كيف لا وهو جاء لينتشلهم من الحقارة فإذا بهم بالحقارة يستلذون؛ وجاء للخَلاصِ من الاستعباد الروماني بالإخلاص لله الواحد الأحد؛ فإذا بهم عبيد لآلهة شتى والشهوات؛ وجاء ليعلمهم التواضع فإذا بهم ينشرون الكِبرَ والجبروت؛ وجاء ليعلمهم التعايش بسلام وأمان وإذا بهم يدمرون دولا وحضارات ..
فأين الميلاد وأين القُدَّاس؟!
وقد فاحتْ روائح الخمرةِ والبذاءة و الأنجاس ..
إن عيسى عليه السلام خَتم وجوده الأوَّلَ بالأرض ورُفع ذكره في القرآن الكريم بسؤالٍ أخيرٍ هو خلاصة رسالته ومحبته وما يرضاه ويُرضيه لكل من يدعي أنه من حوارِيِّيه: “مَنْ أَنْصاري إلى اللهِ“؟؟
{يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين مَن أنصاري إلى الله}
فإن أردت أن تحتفل به حقاًّ فكن من نصراء الحق والعدل لا تقبل الباطل والظلم، ومن نصراء العلم والطُّهر فلا تقبل الجهل والرجٍس، ومن نصراء الإيمان والعمل فلا تقبل الخرافة والتخلف ..
وكُنْ من كُفَلاءِ المقهورين والملهوفين والمنكوبين ..
إذا أردت أن تحتفل به حقاًّ فليس بالطيش والمنكر والشموع ..
ولكن بأن نكون جميعاً “أنصار الله” مستقيمين على دينه ناصرين لشريعته مظهرين لكلمته على تعاليم دين الإسلام دين المحبة والسِّلم والسَّلام …
اللهم صَلِّ على نبينا محمد سيد المرسلين الذي علمنا تعظيم الأنبياء أجمعين وجعله من دعائم الدين وجعل من عاشوراء سنة لحمد الله على نجاة موسى وهلاك فرعون بالصيام والعمل الصالح وكل خُلُقٍ مبرور وسعي مشكور عند كل ذكرى عند الله عظيمة لا منكر فيها ولا كفر ولا بدعة ولا معصيةَ ولا سفاهات … والحمد لله وب العالمين.

شاهد أيضاً

Book 2

🌾{إبداعُ الفروع}🌾

🌾{ إبداعُ الفروع }🌾 -من إبداعات فقهاء الإسلام في تدوين علوم الدين وتوارث المعرفة؛ تصنيف ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *