ماذا كشف النقاب؟

 

ماذا كشف النقاب؟

قد يتوجب علينا اليوم أن نشكر نساء المغرب كافة نساء العفة والحياء نساء الشرف والإباء؛ وأن نرفع راية التقدير لكل أم ولكل بنت ولكل زوجة جعلت من حجابها ونقابها شعاراً بارزاً في المجتمع كما تبرز الصوامع فوق الجوامع رسوخاً وشموخاً ..
لأننا بنسائنا أحيينا الغيرة وحديث الثوابت بيننا ..
إن نساءنا اليوم يجاهدن من أجل “سيادة المبادئ”؛ ويصطبرن من أجل “حرية الحق” لا حرية الباطل؛ ويناضلن من أجل “الأسرةِ الأسوةِ” التي تقاوم كل ألوان الاستعمار والاستحمار، ويكافحن “التمييز السلبي” الذي لا مستند له إلا الاستبداد؛ في وقتٍ صارت مناهضة التمييز قيمة كونية يدعيها كل المبطلين والمطبلين لتمرير كل الشذوذات والخروقات؛ فإذا جاءوا لشريعة الرب تعالى استباحوا التمييز مع المستمسكين بها في الحقوق وفي الوظائف ..
واليوم هم يمارسونه مع اللباس بمنع الاتجار فيه زعموا … “والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم ”
قال ابن القيّم رحمه الله : “إذا انضافت الأقوال الباطلة ؛ إلى الظنون الكاذبة ؛ وأعانتها الأهواء الغالبة، فلا تسأل عن تبديل الدين بعد ذلك “. إغاثة اللهفان (2 /146)
إن “مسألة النقاب” اليوم أحسنت إلى الأمة من حيث قصد متولي كبرها الفتنة والفساد والإلهاء ..
-1- فأحسنتْ إذ كشفتِ النقاب عن ذلك التوجُّهُ المريبِ الذي يتغلغل في بعض مفاصل الدولة ليتحرك بين الفينة والأخرى صوب كل ما يزعزع الأمنَ ويحدث البلابل ويناقض الثوابت في مملكة إمارة المؤمنين الشريفة بحيث يقابل التطرّف الذي يدعي محاربته بتطرف علماني نشازٍ ..
وكأنه لا يهنأ له بال إذا رآنا دَوْلَةً آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقها رغَداً من كل مكانٍ فتؤمن بالله وتشكره ؛ ويأبى لها هو إلا أن تجحد النعم ؛ ويعترض بالشُّبَه على الشرائع ويتحايل بتوافه الذرائع .. توجُّهٌ يأبى إلا أن تتغول القلةُ المنبوذة من الأفكار الدخيلة لتسيطر على الكثرة الكاثرة والأغلبية الأصيلة .. توجُّهٌ لا يريد للإنسان أن ينحو نحو إنسان”الكوثر” بل يسعى بكل ما أوتي ليجعله ذلك الشانئ “الأبتر”..
-2-وكشفت النقاب عن مستوى المؤسسات الرسمية التي أنيط بها رعاية الأمن الروحي ؛ وتحملت مسئولية حماية الملة والدين ؛ وتكفلت بالفتوى صناعةً وإشاعةً ..
ثم هي حينما تحتاجها الأمة تتابطؤ حروفها وتضطرب أوتار أصواتها وأبواقها؛ وربما استعانت في أَسرارها بغير الرسميين لعلهم يعالجون إِسرارها وإِصرارها ..
لستُ ممن يرى تنافراً بين العاملين في جُؤنة السنة من أهل الجماعة والسنة؛ ولست ممن يكفر بحقوق الوطن؛ ولذلك فنحن نفرح بكثير من مشاريع الأوقاف وننتقدها أيضاً كثيراً لا ندعي لأنفسنا صواباً ولا نبرِّؤها من خِطاءٍ؛ كما أننا فرحنا بدفاتر التفكيك السبعة التي تبنتها الرابطة المحمدية؛ ولكننا نحزن على العلم والعمل إذ نراها لم تبرح “اللُّمعة من السَّبعة” !!
لأن مستحقات التفكيك أكثر وأكثر ؛ وهي في تلازُمِها كمداخل الجرابيع يُنْفِذ بعضها على بعضٍ ؛ “فالتركيز فقط على ما يُملى يَبْلى ؛ وليس من الحق الأعلى الذي يُتْلَى” !! “فهَلَّا فككتم كامل المنظومة وهلاَّ قمتم بالمطالب المعلومة فإن لحوم الشعوب مسمومة وعاقبة قاصد تدينها معلومة” ؟؟
وهنا أذكر إخواننا في رابطة العلماء وفي المجالس العلمية وفي الأوقاف لا بعموم مقتضيات الشريعة والقواعد ولا بخصوص الفقه المالكي والمقاصد بل بإمام واحد كان لهم به بالغ الاهتمام بشخصيته النوازلية الفذة والتي استدعوها في مسائل من اجتهادات مدونة الأسرة و نقاشات المجتمع حول المرأة والميراث والوصية والواجبة ومسألة الكدِّ والسعاية وذلك كله مقبول حسن ؛ ولكن أليس ابن عرَضون نفسه هو الذي كان يُجرِّح عدالةَ الرجل إن شمت المرأة العاطسة في الطريق قالوا كامرأة خرجت من الحمام ثم عطست من برْد فلا يجوز لها أن يقول لها رَحِمك الله لأن ذلك مظنة التودد من غير محرم في حالة ريبةٍ ؟؟
ابن عرضون الذي أفتى بتأبيد التحريم على من يهرب بامرأة قصد الزواج بها دون موافقة أهلها واعتبره نوعاً من الإفساد يُعامل فيه المفسد بنقيض قصده فتُحرم عليه تأبيداً حتى لا يطمع فاسق وفاسقة بالتحايل على الأسرة بدعوى الأمر الواقع ؟؟؟ هذا هو ابن عرضون وهذه هي نوازله النسائية حفاظاً على المرأة المسلمة المغربية من كل العوادي فكيف لو ساءلنا معتمديه عن النظرة المقاصدية للنقاب في فكر ابن عرضون من خلال فكره الفقهي؟؟؟
قال ابن القيم -رحمه الله-: “كلُّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرَّحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشَّريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل”. [إعلام الموقعين: 3/3].
-3- وكشفت النقاب عن وجوب “التحام العمل الإسلامي العام” تحت “راية البيت الإسلامي العام” أهل السنة والجماعة ؛ حتى وإن تعددت جزئيات أو تنوعت بعض مسلكيات في المنحى الدعوي أو التخصص الفكري أو السعي الأولوي ؛ فلا بأس أن تكون كالمنافذ على المحور الواحد محور الدين والوطن والأمة تغافراً وتناصراً لا تدابراً وتناحراً .. وإلا ففُرقتنا حُرقتنا وهوادتُنا هواننا ؛ وذهاب ريحنا ذهابنا وبراءة رسول الله منا فليس منا في شيء لا انتماء في الدنيا ولا شفاعة يوم القيامة ﴿إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا “لست منهم في شيء” إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ قال ابن تيمية:” فإن درْك الصواب في جميع أعيان الأحكام إما مُتَعَذِّرٌ أو مُتَعسِّر”رفع الملام ص38 وقال رحمه الله : “ومن تدبر أصول الشرع علم أنه يتلطف بالناس في التوبة بكل طريق”. تفسير آيات أشكلت ( 2/595 )
وإننا لنحمد الله الْيَوْمَ إذ نرى عموم العقلاء -ولا عبرة ببعض الطيبين فسينضجون عن قريب بحول الله إن لم يتعلموا بالأقلام فسيفهمون بالأيام -؛ من أهل العلم والدعوة والحقوق والإعلام والسياسةوالغيرة الوطنية ؛ يلتحمون دون تميز ظنون و دون تحيز أوهام ؛ بل كتلة واحدة من أجل الكليات و ضد كل الهجمات ..
قال ابن القيم -رحمه الله- “إذا ظفرت برجل واحد من أولي العلم،طالب للدليل، محكم له، متبع للحق حيث كان، وأين كان، ومع من كان، زالت الوحشة وحصلت الألفة وإن خالفك؛ فإنه يخالفك ويعذرك. والجاهل الظالم يخالفك بلا حجة ويكفرك أو يبدعك بلا حجة، وذنبك: رغبتك عن طريقته الوخيمة وسيرته الذميمة، فلا تغتر بكثرة هذا الضرب، فإن الآلاف المؤلفة منهم؛ لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم، والواحد من أهل العلم يعدل ملء الأرض منهم”. أعلام الموقعين 1/308.
وينجلي ذلك أكثر حينما نرى كثيراً منهم صار ينظر للأمر بكليته وشموله وعمقه وأهدافه وعلاقة الغرب به وتأثير فرنسا فيه وتكالب فساق السياسة والصحافة عليه .. ؛ ويؤكدون أنها ليست قضية مسألة فقهية مجردة فرعية أو استحبابية ؛ بل ربطوها بعظائم المآلات وماكر الاستهدافات للدين وللتاريخ وللأجيال .. وهذا هو الواجب دينا وعقلا في كل الأحداث والأخباث التي يفاجئنا بها أذناب العلمانية إن لم تكن بسفك الدماء انقلابا فبقهر الشعوب اعتقاداً واقتصاداً واجتماعاً وسياسة …
ولقد كنّا دائما ندعو إلى هذا الاستبصار بكل تؤدة وندعو لضرورة الانخراط في الإصلاح الشامل مع كل أطياف أهل السنة والوطن اتفاقا أو توافقاً ؛ ونبين بأعلى صوتٍ أن الحزبية المقية التي نظن محاربتها نحن نمارسها في الأشخاص وفي الأفكار ؛ بحيث نبني الولاءات على بعض مَقراتٍ أو بعض مُقررات ؛ سواء في التوجه الدعوي أو التوجه السياسي أو غيرهما ؛ حتى عادينا الأقربين من خيرة أهل السنة ومن خيرة العالِمين والعامِلين ؛
فهذا الوضع ليس إلا من عمل الشيطان وجنوده وليس إلا نوعاً من المكر للتفريق والتلبيس والتوهين..
فمن يعادي النقاب ومن يستهزئ بالبخاري ومن يتسلط بالحكم ومن يستفرد بالسياسة ومن يستحوذ على الإعلام ومن يهمل السلوك والتزكية ومن ينشر العامية .. الخ .. كلها جزئيات تؤدي إلى تهلكة في الدين وفي الدنيا ؛ والواجب هو مقاومة كل أنواع المنكر؛ و يتأكد الأمر في معاليها ومعالمها التي هي أركان الدين التي تهم عموم الأمة مرتبةً مرتبةً كما هو واضح في الشريعة وبين العلماء ..
قال المحقق ابن القيم رحمه الله في كتابه طريق الهجرتين: “إن عادتنا في مسائل الدين كلها، دقها وجلها، أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق لا نستثني من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك ونموت عليه، ونلقى الله به ولا قوة إلا بالله”. ا. هـ. طريق الهجرتين ص393
فاعتبروا يا أولي الأبصار ..
والحمد لله رب العالمين.

بلاغ

شاهد أيضاً

Book 2

🌾{إبداعُ الفروع}🌾

🌾{ إبداعُ الفروع }🌾 -من إبداعات فقهاء الإسلام في تدوين علوم الدين وتوارث المعرفة؛ تصنيف ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *