(معجزات”التصوير”الإعلامي والسينمائي)

{فَصُرْهُنَّ إليكَ ..}
(معجزات”التصوير”الإعلامي والسينمائي)

 

سألني بعض الفضلاء عن حديث “لعن الله المصورين” وهل يدخل فيه التصوير المعاصر؟

فقلتُ بأن المراد بالتصوير هنا هو صناعة التماثيل التي تعبد من دون الله والنحوت التي تملأ الكنائس تجسيداً للعقائد الباطلة ونحوها؛
وهذا الاشتراك في اللفظ: “ص و ر” لا يوجب الاشتراك في الحكم لأن الأصل هو حمل اللفظ النبوي على المعهود اللغوي في زمانه كما في نحو قوله تعالى: “وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم“.
فالسيارة هنا هي الركب من الناس؛ ولا يجوز ظن أنها الآلة الحديثة رباعية العجلات ..
وكذلك يقال في لفظ المصورين الوارد في الحديث نحوه .. ومن تأمل أحاديث الباب رأى أن هذا هو ما يجب المصير إليه؛ كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيه “تماثيل”، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه وقال: “أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله“.
قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين”. خرجه البخاري ومسلم.
وزاد مسلم بعد قوله: (هتكه): (وتلون وجهه ).
وعنها قالت: قدم النبي صلى الله عليه وسلم من سفر وعلقت “دُرْنوكا فيه تماثيل” فأمرني أن أنزعه فنزعته”. رواه البخاري.
ورواه مسلم بلفظ: “وقد سترت على بابي درنوكا فيه “الخيل ذوات الأجنحة”، فأمرني فنزعته.
وعن القاسم بن محمد عن عائشة أيضًا قالت: اشتريت نمرقة فيها “تصاوير”، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، قالت: يا رسول الله: أتوب إلى الله وإلى رسوله ما أذنبت؟
قال: ما بال هذه النمرقة؟
فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم“.
وقال: “إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة“. رواه البخاري ومسلم.
زاد مسلم من رواية ابن الماجشون قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب”ولا صورة“. متفق عليه واللفظ لمسلم.
وخرج مسلم عن زيد بن خالد عن أبي طلحة مرفوعًا قال: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب”ولا تماثيل”.
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام قال: “إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة“.
وخرج مسلم عن عائشة وميمونة مثله.
فهذا مجمل ألفاظ روايات الباب؛ وهي تدل بجلاء أن المراد هو تلك التماثيل بمضامينها الباطلة؛ وليس عموم الصور والتصوير ..
ومن فقه البخاري أنه لما بوب بقوله: “باب نقض الصور”؛ أورد حسب معظم الروايات لفظ حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه”تصاليب” إلا نقضه.
وفي لفظ الكشميهني: “تصاوير”؛ وكأن إحدى الروايتين تفسر الأخرى.
واعتمد البخاري رواية “التصاليب”؛ لتكون مفسرة لمعنى”التصاوير” المحرمة جمعاً بين الروايات على ما ذكرنا وهو ما ذكر في ترجمته..
ومن لم يضبط ما يعرض للألفاظ من الاشتراك في الدلالات والتشكيك والتواطئ والترادف ونحوها؛
ساء فهمه وشرحه لنصوص الكتاب والسنة وأتى في ذلك بالعجائب؛ وهي من آثار ضعف الدرس اللغوي والأصولي في الفقه المعاصر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
ولذلك فقد سبق وأن قررنا في كتابة سابقة أن التصوير بكل أنواعه من الوسائل المهمة اليوم لنشر العلم ومقاومة الانحرافات؛ وخاصة في صناعة السينما وفي الأثير الفضائي وسطوة سلطة الإعلام؛ وأن التأخر في هذا الباب كلّف المسلمين الشيء الكثير وجعلهم من ضحايا الثقافات المنحرفة الوافدة؛ كما هو مشاهد في معظم القنوات وفي سائر البرامج؛ وعليه فلا يجوز الاستمرار في هذا التأخر ويجب استدراك ما فات؛ وأول تلك الخطوات هو إزالة تلك الأقوال الفقهية الضعيفة التي قد يعذر بعض من قال بها سابقاً؛ ولكن لم يعد مقبولاً القولُ بها اليوم لا دليلاً ولا واقعاً ولا مآلاً .. ولا مدافعةً لنصرة الحق ونشرالخير..
وقد نص علماء المالكية خاصة على تخصيص النهي بما له ظل؛ وهو التماثيل ونقل فيه الإجماع الإمام ابن العربي رحمه الله في “شرح الترمذي” (7/253).
ونقله عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله في “فتح الباري” (10/41)؛ قال: “منها: أن ابن العربي من المالكية نقل أن الصورة إذا كان لها ظل حرم بالإجماع، سواء كانت مما يُمتهن أوْ لا” ا.هـ
وأضاف عدد من العلماء ومنهم ابن العربي -بل هو مذهب المذاهب الأربعة- وصفين آخرين:
1- بأن يكون كامل الهيئة بما لا تفوت به الحياة في العادة؛ وإلا جاز كما لَو كان مبقور البطن مثلاً.
قال أبو الفرج المقدسي في “الشرح الكبير” (21/338): “وإن قُطع منه ما لا تبقى الحياة بعد ذهابه؛ كصدره أو بطنه، أو جُعل له رأس منفصل عن بدنه؛ لم يَدْخل تحت النهي؛ لأن الصورة لا تبقى بعد ذهابه؛ فهو كقطع الرأس.
وإن كان الذاهب يبقي الحيوان بعده؛ كالعين واليد والرِّجل؛ فهو صورة داخلة تحت النهي.
فإن كان في ابتداء التصوير صورة بدن بلا رأس، أو رأس بلا بدن، أو جُعل له رأس، وسائر بدنه صورة غير حيوان: لم يدخل في النهي؛ لأنه ليس بصورة حيوان”ا.هـ .
2 -وأن يكون مما يدوم كالحجارة والحديد وإلا جاز فيما يذبل ويفنى كالورق والجليد ..
قال القرطبي في “الجامع” (14/275):
وقد استثنى من هذا الباب لعب البنات … وكذلك ما يُصنع من الحلوى والعجين لا بقاء له فرُخِّص في ذلك” ا .هـ .
وقد أشار من طرف إلى ذلك ابن عبد البر في التمهيد بذكر اختلافهم في المدلول إذ قال في حديث: “إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة”:
“وقيل في الملائكة ها هنا: ملائكة الوحي، وقيل: بل كل ملك على ظاهر اللفظ، كما أن لفظ بيت على لفظ النكرة يقتضي كل بيت، والله أعلم.
وظاهر هذا الحديث يقتضي الحظر عن استعمال الصور على كل حال كانت، أو في غيره، ومثله حديث نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة في النمرقة التي فيها تصاوير، وقد استثنى في حديث سهل بن حنيف، إلا ما كان رقما في ثوب.
واختلف الناس في الصور المكروهة، فقال قوم : إنما كره من ذلك ما له ظل، وما لا ظل له فليس به بأس، وقال آخرون: ما قطع رأسه فليس بصورة، وقال آخرون : تكره الصورة في الحائط”.
ثم قال: ” وأما اختلاف فقهاء الأمصار أهل الفتوى في هذا الباب، فذكر ابن القاسم قال : قال مالك : يكره التماثيل في الأسرة والقباب وأما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به، وكره أن يصلي إلى قبلة فيها تماثيل”.
وَمِمَّا يدل على توسعهم فيما عدا هذا استثناؤهم لعب البنات-وهي كالدمى اليوم- لمصلحة الترفيه على الأطفال والتوسعة على العيال:
قال القرطبي المالكي رحمه الله في “المفهم” (5/426): “المشهور في لعب البنات جواز اتخاذها للرخصة في ذلك“ا.هـ.
وهذا هو مذهب الجماهير خلافاً للمشهور عند الحنابلة رحم الله الجميع.
قال الحافظ ابن حجر الشافعي رحمه الله كما في “الفتح” (10/544):
استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن ، وخُصَّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور ، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور ، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن” ا.هـ. المراد.
وكذا قال العيني الحنفي رحمه الله في “عمدة القاري” (22/170).
قال القرطبي في “الجامع” (14/238):
وقد استثنى من هذا الباب لعب البنات لقصة عائشة في الصحيح .
قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك، والتدريب على تربية الأولاد ، ثم إنه لا بقاء لذلك” أ.هـ.
ويبقى المذهب المالكي أوسع الأبواب تيسيراً في هذا الباب وهو أدق وأولى .. وأرى أنه يستحسن جعله أصلاً لأحكام التصوير بكل أنواعه ومقاصده؛ سواءً اليدوي أو الآلي ونحوها ..
ومن اللطائف في هذا الباب أن الصورة سبب قوي للتأثير وعنصر هام في إحداث الميل إلى الأشياء؛ فحديث الصورة وإيحاءاتها وحديث الصوت والصورة المتطورة؛ أبلغ أثراً في النفوس وإقناعاً بالأفكار وتسريباً للمكنونات؛ مما لو سردت مجردة بكتابة أو نحوها وبالأخص في زماننا المُرَكَّب المتراكم المتصارع …
يقول ابن الحسن المُعيني (ت537) في تفسيره لوامع البرهان(1/128) عند تفسير قصة إبراهيم “رب أرني كيف تحيي الموتى”.. إلى قوله: “فصُرْهُنَّ إليكَ”.
قال: قطِّعهنَّ، أو معناه أَمِلْهُنَّ صارَه يَصِيرُه ويَصُورُه ؛ والصُّوار: قطعة من المسك؛ من القطع ومن إمالة حاسة الشم إليها ..
ثم قال رحمه الله -وهو الشاهد-:
والصورةُ لأنها تُميل إليها النفوس ولأنها تقطيع وتقدير“إهـ إذاً فالصورة لغةً وشرعاً وواقعاً باب عظيم للتأثير والإقناع فلا يجوز التفريط فيه ولا هجر مجالات استغلاله بسبب واهٍ أو لضرر مرجوح؛ وعليه فلتترك تلك الأقوال السابقة وليعتمد قول الإباحة والندبية والوجوب أصلاً للتفريع الفقهي ويبقى ما يحرم استثاء تابعاً للمضمون لا للوسيلة كما يقال في عموم الوسائط كالشعر والخطابة ونحوها ..
وأن من أراد أن يقوى يقينه ويقوي يقين الناس بالمبادئ والثوابت ليريهم كيف يحيي الله القلوب بعد موتها وكيف سيبعث الأمة في نهضتها؛ فليأخذ بزمام إعلام الصورة وأثير الفضاء وليضع على أعلام راداراتها وأقمارها على جهة وفكرة جزءً يقوم بواجب البيان والتجسيد والمخاطبة؛ وليصرهن إليه بالسيناريوهات المحكمة وبالصور المتقنة المعبرة كالأفلام الوثائقية والتحقيقات الميدانية ونحوها ..
فذلك أعمق علماً ويقينًا؛ ثم ادعُهُنَّ يأتينك سعياً اقتناعاً واتِّباعاً نحو حياةٍ أجدَد وأسعد؛ واعلم أن الله عزيز حكيم ..
﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم﴾.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله، والحمد لله رب العالمين.

Adil

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *