التعدد قوة و الجمع أولى

التعدد قوة و الجمع أولى

لا يتشكك النَّظرُ في اهتمام الرسائل الربانية بإصلاح الفرد والمجتمع؛وأنها رغبت في الوفاق وذم الافتراق ؛ ومن هنا كان العقلاء أحرص الناس على هذا الباب لما يستقيم باستقامته من الأشياء.. وسأخاطب العاقل من منطلقٍ مبدئي مسلَّمٍ وهو:
أنَّ رعاية الأولى هو مما بكَ أولى ؛ وأنَّ عدم التشدد في خلاف الأَوْلى هو بالعاملين للوفاق أولى ..
ولذلك فنحن نتغيى في تناول هذا الموضوع الذي مهما تكلمنا فيه فهو حديث كل وقت و مطلب كل زمن ؛ لأن مقصد الاجتماع هو من أمهات مقاصد القرآن الكبرى و من أسس كليات الدين التي تنبني عليها كل تفاصيله .. فإنما جاء الدين لجمع الناس على مصالح الدارين حتى لو اقتضى هذا الجمع مفارقة من يخالف هذا النهج الجامع ؛ فحري بِنَا إذ ذاك أن نُباعد عنه و نتبرأ منه ؛ حتى لا يحطم دواعيَ تقاربنا و الولاء الواجب بيننا تحت مظلة دين و دنيا رب العالمين …
ولهذه الأهمية فقد اخترت زاوية أخرى لمعالجته لعلها تكون إضافةً في هذا المعنى الجليل
زاوية أصولية نؤكد بها أهمية الموضوع وبعض أسس البناء فيه ؛ ونؤكد بها-أُخرى-أهميةَ علم أصول الفقه وأنه موضوع لكل قضايا الدين بل لكل قضايا الفهم و التفهم والتفهيم …
وإذا أردنا معالجة موضوعنا برؤية تأصيلية من هذا العلم الجليل لإفادة العمل الإسلامي ووحدة صف الأمة و تآلفها و قوتها …
فإننا نجد في قواعده الجامعة قاعدة:
“الجمع أولى ..” “ما دام ممكنا ..”
1-جمع بين الأدلة
2-جمع بين المقاصد
3-جمع بين الوسائل
4-جمع بين الأشخاص
5-جمع بين المصالح
بحيث نتفادى :
1-آفة النسخ بالتناسي
2-آفة الترجيح بالتضعيف
3-آفة التعارض بالتناحر
4-آفة الإهمال بالتدابر
فلا يمكن أن نحقق “جمع الكلمة”
ما لم نحقق ” كلمة الجمع ” …
فالفكر الذي لا يستحضر “كلمات الجمع” ؛ولا ترسم خريطةَ فهمه ولا خارطةَ سيره بل ؛
و يستعيض عنها بكل قواميس الشتات والتفريق .. فهذا عنصر من عناصر”التنازع السرطانية”التي لا تُستأصل إلا بحفظ”كلمة الجمع”التي تدور على ثلاثة أركان :
1-الله
2-الإنسان
3-الأرض
ومن هنا فمقالتي هذه في بحر هذا الموضوع الواسع ستكتفي بالإشارة إلى جانب منه يتضمن أصلاً فيه يعتبر من قواعده و فرعاً عنه يعد في ثمراته ونتائجه ..
أما الأصل فهو قاعدة الجمع أولى المذكورة آنفاً :
وأما الفرع فهو ثمرة التعددية الإيجابية والتنوع الواجب :
-1-“الجمع أولى”:
قال ابن حزم في “الإحكام” (2/151) : ” إذا تعارض الحديثان ، أو الآيتان ، أو الآية والحديث ، فيما يَظنُّ من لا يَعْلَم ، ففرضٌ على كلِّ مسلمٍ استعمالُ كلِّ ذلك ، لأنه ليس بعض ذلك أولى بالاستعمال من بعض ، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله ، ولا آية أولى بالطاعة لها من آية أخرى مثلها ، وكلٌّ من عند الله عز وجل ، وكلٌّ سواء في باب وجوب الطاعة والاستعمال ولا فرق “. انتهى.

وقال الحافظ ابن رجب : “وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بها كلها وجب ذلك ، ولم يجز دعوى النسخ معهُ ، وهذه قاعدة مطردة “. انتهى من ” فتح الباري” لابن رجب (5/84) .

وقال الحافظ ابن حجر : “ الجمع أولى من الترجيح ، باتفاق أهل الأصول “. انتهى من ” فتح الباري” لابن حجر (9/474) .

إذا فمن مواقع الإجماع في العلم والعمل هو الحرص على الجمع مهما تنوعت المشارب ما دام في إطار المشروع بلا ممنوع وما دام في إطار المعتبر مصدراً و تلقيا واجتهاداً .. فالذي يعتقد بعد ذلك القول الواحد و الحقيقة المطلقة ؛ فهو لن يحقق شيئا في سبيل جمع الكلمة و ليس فقيها في فقه الاجتماع ؛ بل علينا أن ننظر في كل عمل و فكر قبل تسليط سيف النقد والنقض عليه ؛ أن ننظر إن كان سائغاً من حيث أصوله ودلائله فحينئذ نُعمل قاعدة الجمع هذه : فنعتبر المسلكين و نحتج بالدليلين و نُصوِّب الفريقين و نعتد بالمصلحتين
لأن الجمع دائما أولى .. فهو أولى من الترجيح الذي فيه تقوية لطرف على آخر ؛ وأولى من النسخ الذي فيه حكم بانتهاء صلاحية الآخر ؛ وأولى من الإهمال الذي فيه تركٌ لإعمال ما ليس متناقضاً ..
فالجمع أولى و الإعمال أعلى …
فَلَو أن العاملين في الحقل الإسلامي نظروا لمختلف شرائحهم بهذا”النظر الجمعي الإعمالي التنوعي”
لقل كثير من أسباب الافتراق ولكثرت أسباب الاتفاق..كما قال الحق سبحانه : ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾[التوبة: ١٢٢] ومن هذه الآية ننْفد إلى ذكر الثمرة وهي”التعددية”:
بحيث نمثل العمل الإسلامي بمثابة عالم الأكوان فيه شمس و قمر و ليل و نهار و بر و بحر و سحاب و رياح و أن هذه الآيات من اختلاف الأنفس والألسن والألوان مع عدم الاستغناء عن شيء منها دليل على أن الأصل فيها الاعتداد والاعتبار والامتداح والامتزاج ؛ فليُجعل أصلا إذاً و ما عداه يكون استثناءً يُتعامل معه بحسبه دون تشنيع ولا تمييعٍ ..وهو الذي يتماشى مع عالمية هذا الدين رحمة للعالمين فلا يجوز مع ذلك انحصاره ولا يجوز انشطاره بل هو ميزان العدل والإحسان..
فالصحابة كما قال الشاطبي:اختلفوا في الدين ولم يتفرقوا فيه لأنهم لم يفرقوا الدين بل اختلفوا فيما أذن لهم اجتهادا واستنباطاً..وكانوا مع هذا أهل مودة وتناصح وأخوة الإسلام فيما بينهم قائمة.(الموافقات:4/105)
يقول ابن تيمية:(فالمذاهب والطرائق والسياسات للعلماء والمشايخ والأمراء إذا قصدوا وجه الله دون الأهواء للتمسك بالدِّين الجامع بحسب الإمكان والاجتهاد التام هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع والمناهج للأنبياء وهم مثابون..) المجموع 19/126باختصار
والمراد أنه قد يحصل التنوع في التدين مع الاتفاق التام في وحدة الدين .. وهذا أصل هام في فقه الاجتماع ؛ وهو التفريق بين أصل الدين المستقيم وأنواع التدين السليم .. مِلةً وشريعةً ومنهاجاً..
ففعل الشيء وتركه كلاهما تدين داخل في الدين ما دام أذن فيهما؛ و إنما يقع الذم و خلاف الدين على فاعل يذم التارك أو تارك يذم الفاعل كما قال جل في علاه : ﴿ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين
[الحشر: ٥] فسوى تعالى بين فعلي القطع والإبقاء أي : إن ما قطعتم – معشر المؤمنين – من نخلة لتغيظوا أعداء الله في غزوة بني النَّضِير أو تركتموها قائمة على جذوعها لتنتفعوا بها – فبأمر الله وذلك من الاجتهاد المأذون فيه شرعاً ، وليس من الفساد في الأرض كما زعموا، وليذلّ الله به الخارجين عن طاعته من اليهود الذين نقضوا العهد، واختاروا سبيل الغدر على طريق الوفاء.
(انظر رسالة الألفة بين المسلمين لشيخ الإسلام ابن تيمية ص61 تحقيق العلامة أبوغدة رحم الله الجميع)
فلا تناقض بين التربوي والتعليمي وبين التبليغي والجهادي وبين الفكري والخيري وبين الاقتصادي والسياسي…فكلها حينما تعمل في إطار شمولية الإسلام ورحمته و استيعاب المجتمعات بحكمته ؛ فهي تعمل في إطار نصرة هدف واحد هو أن يكون الدين كله لله ويظهره على الدين كله ..
كما قال نبينا فيما رواه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري:(إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً و شَبَّك بين أصابعه)
ولا تتكون اليد إلا بأصابعها ولا الجسد إلا بأعضائه ولا البنيان إلا بِلَبِناته وأبْعاضِهِ…
تتفرق شكلاً وصورةً و تتشابك عملاً وغايةً لتكوِّن بناءً و قوَّةً ..
ولا يضرنا إذ ذاك ما قد يقع من نقائص وسلبيات فإن ذلك من عوارض البشرية ما دامت منضبطة بضوابط الخلاف الممدوح بحيث :
1-لا تخرق الثوابت الإسلامية : أ-من حفظ أصول المعتقد السني العملي السليم بغض النظر عن فروع جزئياته … ب- ومن حفظ غاية الشريعة من رعاية مصالح الإنسان والأرض … ت-ومن حفظ ربانية المنهج في التلقي وفي الاجتهاد ..
فهذه هي أصول الثوابت التي ينبغي ضبط الاختلاف في ضوئها ..
فإذا حصل من ورائها خلاف متحتِّم ؛ داخل في حيِّز قول الحق “إلا من رَحِم“؛ فهنا يتعين أمران :
2-حصر الخلاف و تحريره و عدم تمديده …
3-ترك البغي و نفي التفرق بسببه ..
وقد بين الشاطبي في الاعتصام هذا المعنى بكلمة جامعة إذ قال رحمه الله :
وقال الإمام الشاطبي في “الاعتصام” (2 / 200- 202) : « وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين ، وقاعدة من قواعد الشريعة ، لا في جزئي من الجزئيات . إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببه التفرق شيعا ، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية .. ثم قال:ويجرى مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات ، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة ، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضا ، وأما الجزئي فبخلاف ذلك بل يعد وقوع ذلك من المبتدع له كالزلة والفلتة ، وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين حيث قال عمر بن الخطاب – رضى الله عنه – : “ثلاث يهدمن الدين زلة العالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون” ، ولكن إذا قرب موقع الزلة لم يحصل بسببها تفرق في الغالب ، ولا هدم للدين بخلاف الكليات ..)) إهـ
وبهذه الضوابط الجامعة بحيث نحرص على قاعدة الجمع أولى .. و على ثمرة التعدد التكاملي المنضبط .. وأن نحفظ الثوابت من انحلال العقد الفكري .. و نراعي حال الخلاف من اختلال الصف الإسلامي .. نكون قد ساهمنا بإذن الله في قطع الطريق عن الذين يوضِعون في الخِلال ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين..ووضعنا للساعين الجادين أسسا يكونون معها أقرب إلى السلامة و أَعَزَّ و أقوى …
فإن الأصل هو الجمع والولاء والإدخال ؛ وليس الفرقة والبراءة والإخراج .. وقد يكون الإثم بظن الشدة في التمسك أعظم من ظن التفريط بالتكتُّل .. قال أبو جعفر : وحدثني عنه أي عن الإمام أحمد أبو السري عبدوس بن عبد الواحد ، قال قال أحمد بن حَنْبَل رحمه الله:« إخراج الناس من السنة شديد » إسناده صحيح: رواه أبو بكر بن الخلال في السنة (1/2/373) رقم513.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع(96/24)
« نعم من خالف الكتاب المستبين والسنة المستفيضة أو ما أجمع عليه سلف الأمة خلافا لا يعذر فيه فهذا يعامل بما يعامل به أهل البدع » .
فهذه من جملة الأصول الجامعة لضبط جمع الكلمة بكلمة الجمع التي مدارها تأصيلا وتنزيلاً على الكتاب المحكم والسنة البيِّنة وإجماع الأمة المعصومة المرحومة .. سائلين الله الهداية والسداد والعزم و الرشاد والله ولي التوفيق وهو سبحانه وتعالى أعلى وأعلم ..
والحمد لله رب العالمين.

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-04-10 at 13.14.34

#إستراتيجية_إبليس

🌾 #إستراتيجية_إبليس🌾 .. رغم أن ربنا بين لنا عداوة الشيطان وأمرنا باتخاذه عدوا “إن الشيطان ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *