استشارة شرعية بخصوص الانتخابات الأوروبية

استشارة شرعية بخصوص الانتخابات الأوروبية

Election

تلقى {قسم الاستشارات} بموقع فضيلة الشيخ الدكتور عادل رفوش حفظه الله تعالى ونفع به: استشارات شرعية من أحد المراكز الإسلامية الأوروبية في المواضيع التالية:

– ما هو دور المسلمين في الانتخابات البرلمانية في الغرب عموما، وهولندا الآن خصوصا ؟ هل يجوز لهم التصويت ؟ وما الدليل؟
– أليس ينبغي على المسلم الفعال في مجمتعه أن يهتم كذلك بمواضيع الصحة والتعليم والنقل والاقتصاد ونحو ذلك ؟
– هل قضية الانتخابات قضية عقدية أم فقهية ؟
– يزعم بعض الشباب ان من شارك بالتصويت فقط وقع في عمل كفري ؟
– ألم يأمرنا الله عز وجل أن نكفر بالطاغوت؟ والتصويت قبول بالنظام الكفري وهذا من الرضا بالطاغوت؟
– وفي الختام نطلب منكم نصيحة عامة للشباب الذين يخوض في هذه المسائل مع أنهم ليس من اهل هذا الشأن.

جزاكم الله خيرا.

فأجاب فضيلته بما يلي:

بِسْم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه:

أما بعد فإن الآية العظمى في خيرية هذه الأمة، وفي انتشار دينها وظهوره، وبلوغه ما بلغ الليل والنهار، ما زالت بيناته تنتشر في الآفاق بعز عزيز أو بذل ذليل.
ومن تلك البينات: إخواننا المسلمون الذين انتشروا في الأرض في بلاد الله الواسعة من البلدان غير الإسلامية مواطنين ومهاجرين ومقيمين؛ ممثلين لدينهم أحسن تمثيل وصابرين على مشاق الاغتراب وآفات بعض المجتمعات؛ التي قد يتنكر بعضهم لمواثيق حقوق الإنسان العالمية كما يتنكرون لفضل أولئك المسلمين عليهم في بلدانهم منذ فجر أوروبا والغرب الذي كان لسواعد أولئك المسلمين أبلغ الأثر في نهضته و أمانه وسلامته؛ فحقٌّ شكرهم والتنويه بتاريخهم؛ وأنهم كما عليهم واجبات فلهم حقوق ينبغي أن تُحفظ وتُصان
وأن لا تخرق وأن لا تهان ..
فجزى الله إخواننا المسلمين في كافة البلاد على ما يبذلون من تضحيات لتعظيم رسالة الإسلام رسالة السلام والعدل والنماء؛ ولإظهار وسطيته الخالدة متبرئين من التطرّف كما يتبرؤون من الانحلال؛
فما أحسن أثرهم وما أعظم أجرهم …
وإنه قد بات من المفروض أن لا ننظر إلى أنفسنا بغير هذه النظرة الواقعية المتفائلة المتفاعلة؛ فالإسلام بحمد الله حسب مركز بيو للدراسات هو الدين الأسرع نموًّا في أوروبا؛ والمسلمون صاروا في أوروبا فقط يناهزون حوالي 100 المائة مليون أي نحواً من 10% بالمائة من التواجد الأوروبي أي بما يعادل نحواً من خمس دولٍ صغرى؛ وحسب “صحيفة الصنداي البريطانية” فإن الدراسات ترجح أن يصيروا نحوا من 20% في أفق 2050 ..
مما يجعلهم في بلاد الغرب خاصة هم أقرب إلى الأقليات “المُمَكَّنة” وليس”المُكافِحة” فقط؛ فضلاً عن أن تكون “مستضعَفَة” أو “مبعثرةً” أو”حديثةً” أو”محدودةً” كالمسلمين في الصين مثلاً..
إذاً فالوضعية على العموم إيجابية وعليه فاللائق بالمسلم رغم ما قد يظهر أمامه من تحديات؛ فينبغي أن لا يتغافل عن وجود الفرص ووجوب اغتنامها كلما سنحت رياح الحرية والتغيير وسمحت حدود القوانين، ابتغاء مرضاة الله ورحمةً بالإنسانية… وبالأخص في عالَمٍ يموج ويتمازج حتى كأنه قرية واحدة بلا حدودٍ ولا أعلامٍ إنه “العالَم الجديد” ..
وقد شرع الله تعالى أصول التعامل مع غير المسلمين بثلاث قواعد :
1-ليسوا سواءً
2-أن تبروهم
3-وتعاونوا على البر..
فالناس ليسوا كلهم أعداء؛ ومن ليس عدوا فالإحسان إليه مندوب؛ والتعاون معه على الخير مطلوب ..
وقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعطى عمليا فقال عن عموم الروابط التي تجمعه مع مخالفيه:
والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها“.
فكل منفعة فيها تحقيق لمصلحة تعود على الناس وعلى المسلمين بالخير فهي من حرمات الله ويجب التكاثف والتحالف لتحقيقها حتى مع المشرك المحارب فما بالك وعهود المواطنة تجمع مختلف الأطياف المسالمين أفلا يعطيهم رسول الله يده لما فيه الخير وتقليل الشر؟! بلى وما كان له صلى الله عليه وسلم أن يفعل سواه ..
لأن الاختلاف حتمي ولا دواء له إلا دوام التدافع؛ والتدافع هو الذي يجلب المصالح وتركه هو الذي يجلب الوهَن والتأخر والفساد؛ قال تعالى: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض
وإن من حصافة اليهود أنهم لا يتجاوزون الثلاثين مليونا في العالم كله؛ ولكن لحسن استفادتهم واهتمامهم فهم قد بلغوا من التأثير في العالم ما بلغوا.. والمسلمون رغم كثرتهم فلا نظر ولا أثر -إلا من رحم الله من الأوفياء العقلاء-.
إذا فاللائق بالأمة هو الريادة والمبادرة والمدافعة؛
كيف لا وهي ذات وَحْي وكتاب؟!
ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال: “فليست تنزل بالمسلمين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها“. (الرسالة ص20)
وقال الشاطبي: “إن الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم“. (2/6الموافقات).
وصدق الله: “وما أرسلناك إلا رحمة للعٰلمين“.
وقال: “ونزلنا عليك الكتٰب تبيٰناً لكل شيء وهدىًٰ ورحمةً وبشرى للمسلمين“.
وقال: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر
ومن هنا كان من الواجب على كل مسلم وبالأخص حيث الأقليات أن يكون حاضراً في مجتمعه بالتأثير والمشاركة والمنافسة، وأن يوازن بين الاختيارات لتوفير الأقرب إلى العدل والحق؛ فالشريعة والتاريخ قاطعة بعدم التسوية بين ملحد ووثني وكتابي وبين ديمقراطي وديكتاتور وإرهابي؛
وأن المشاكل مهما تعددت كالدينية والاجتماعية والاقتصادية واللغوية والسياسية ونحوها؛ فهي لا تُحَلُّ دفعةً واحدة ولكنها كالبناء لا بد له من وجودِ أسسٍ واستمرار نِضالٍ ..
ولا شك أن تحدي الحفاظ على الدين هو أعلى هذه المشاكل وأن بوابته العظمى في عالَمِ اليوم هو الإعلاء من قيم الحقوق والحريّة والعدالة والكرامة؛ فلا دين إلا بها، ومن ضيعها أو تهاون في أسبابها فهو مسبب في تعريض الدينِ للضياع ..
فوجب السعي في تحصيلها لتأمينه؛ ولم يعد من بابٍ لذلك في زماننا إلا بالمزاحمة السياسية والتأثير الإعلامي والتطور العلمي والاقتصادي؛
تغليباً لفقه الاندماج الإيجابي وبعيداً عن الانعزال السلبي؛ وأشد ابتعادا عمن يتجرأ على القطعيات ليصدر إسلاماً تبريريا بتسويقٍ غربيٍّ!!
ومن نظر إلى تجربة المسلمين في ماليزيا وقد كانوا فيها مستضعفين ثم صارت لهم أجمل الآثار قيادة وعمراناً فاكتسبوا في كل ميدانٍ أنصاراً فعز الإسلام وعز أهله وانقشعت غُربتُهُ وشهد بنجاحهم المجتمع الدولي كلُّهُ ..
وإذا كانت العادات لها تحكم في الأحكام فما بالكم بالأوطان والسلطان؟
فلا شك أن مراعاة أوضاع المسلمين في تلك البلاد ترخيصاً وتيسيراً هو أظهر وأوجب؛ ورحم الله القرافي إذ قال:
إن إجراء الأحكام التي مدركُها العوائد مع تغير تلك العوائد؛ خلاف للإجماع وجهالةٌ في الدين؛ بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة“. (الإِحْكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص218)
وَأكده في الفروق بقوله: “وعلى هذا القانون تُراعى الفتاوى على طول الأيام،فمهما تجدد في العُرْفِ اعْتَبِرْهُ،ومهما سَقَطَ أَسْقِطْهُ؛ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك .. فالجمود على المنقول أبداً ضلالٌ في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين“إهـ (الفروق 1/314).
وقد اتفق العلماء على أن شغورَ الزمان عن ذي السلطان ليس مسقطا لحقوق الإمامة التي تنصلح بها أحوال الناس فيجب عليهم توفير ذلك بأقرب ما يكون للحق والعدل والمصلحة لأن الولاية من الأمانة، والله قد أمر أهل الإسلام بوجوب أداء الأمانة فقال: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها“.
والمسلمون في بلاد الأقليات لا شك أن شئون السياسة تلزمهم بضرورة الحفاظ على النظام عام، ويلزمهم -وهي أمانة في أعناقهم- أن يؤدوها لأولى الناس بها فشُرِعَ بدليل الكتاب والإجماع والنظر مشاركتُهم لتحقيق الأوفق نظاماً والأقوم أمانةً حتى وإن كان الأخف شراًّ فإنه خير بالنسبة للأشر والأسوإ والأكثر ضرراً وضراراً ..
وذلك من النصيحة لولاة الأمر حتى ولو في غير بلاد الإسلام فإن النصيحة تبذل لكل مكلف والأصل أن البشرية مخاطبة بأصول الشريعة وفروعها؛ فلزم أن يشارك المسلم باختيار الأقرب نصيحة لمنصب الولاية هناك وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ولزوم الجماعة“.
ولا شك أن الإطلاق يتناول عموم الولاية وعموم الجماعة..
ومن هنا نقول بأن السياسة بمعناها الشرعي والعرفي -وهو التدبير العام أو هي قانون رعاية المصالح وانتظام الأحوال-؛ لا يجوز لمسلم بِحالٍ أن يتغافل عن دوره فيها، ويتأكد الأمر ويجب حينما تكون الحقوق الأساسية عرضة للتضييع أو التضييق ويشتد التأكيد حينما يكون في غير بلاد المسلمين حيث المواطنة تفرض نفسها بالمنافسات..
فهنا تصير بكل أنواعها من المطالب الشرعية التي يؤجر عليها ويرغب فيها؛
1- سواءً بالتأسيس للأحزاب
2-أو بالمشاركة فيها
3-أو بالترشح لمناصبها
4-أو بالتأييد لأقربها
5-أو على الأقل بالتصويت الإيجابي ونحوه من التحالفات والتظاهرات؛ تقويةً للوجود الإسلامي في صناعة القرار؛ وتوطيداً للأمة الصالحة العادلة الضاغطة.
وليس دون هذه المراتب الخمسة إلا السلبية والعدمية التي تضر غالباً ولا تنفع شيئاً، ولا يؤيدها شرع ولا واقع ..
ولهذا لم تختلف كلمة علماء العصر المعتبرين في التشنيع على من قال بتكفير من دخل هذا الباب وأنه شذوذ خطير خارج عن الاعتبار؛ وأن أهون منه من يستبعد التأثير الإيجابي من خلالها..
وكلاهما أعني -القول بالتكفير أو -القول بالعزوف والمقاطعة؛ متروكٌ ضعيفٌ عند أغلب علماء العصر..
ومن عَلِم بأن المشاركة السياسية إنما هي وسيلة للمدافعة وتقليل الشرور حسب المستطاع ولو بحصارها وانحسارها؛ هان عليه احتمال ما قد يعرض في الطريق اضطرارا من منكر أو مفسدة؛
لأن العمل السياسي لا يقتضي تحليل الحرام، ولا جعل المنكر معروفاً، ولا صلاحية له في اختراق القطعيات؛ فهذه مسلمات ثلاثة لا جدل فيها؛
وإنما يحاول “التدافع السياسي “التفادي وعدم التمادي” أي تفادي الردى وعدم التمادي في الأذى؛ وإشاعة روح السِّلمية والشفافية وحسن التوفيق حال الازدحام رغم عِنادية الفساد والاستبداد..
إذاً فلا وجه لما يطرحه بعض الناس من إشكالات واعتراضات؛ لأنها أصل الباب!
ولأن من لوازم الترخص أن يخالَف الدليلُ وتترك العزيمةُ لطارئ نازل أو لعذر ناقل؛ ولأن من لوازم الاجتهاد والترجيح أن يضعف المستند وتقوى الشبهة؛ وإلا لم يحتج إلى اجتهاد ورخصة وترجيح؛ وهذا مسلَّم عند علماء الأمة وفقهائها سلفا وخلفاً..
فلم يبق من باب السياسة إلا استصحاب أصل الاستصلاح بحسب كل بلد وأنظمته وإكراهاته..
فلا يحرفون ديناً ثابتاً ولا يغلقون باب منافع ..
وقد وصى مؤتمر فقهاء الشريعة بالقاهرة سنة 2006
عموم المسلمين في بلاد الغرب بولوج العمل السياسي بثلاث اعتبارات:
1-أن يكون حيث يتقوى حضور المسلمين ولا يتقوى من يستضعفهم باحتقار أو تمييز أو عداوة..
2-أن يكون اختيارهم موحدا بحسب الإمكان حتى لا يتفرقوا ..
3-أن يكون العمل السياسي مكملا لحضورهم الاجتماعي والتربوي والدعوي وظهيراً له فلا يغلب جانب على جانب ولا اهتمام على اهتمام بل كل ذلك من السبل التي ترجع إلى محور واحد هو حماية المسلمين…
وعلى هذا المعنى من تحفيز المسلمين في بلاد الغرب على المشاركة السياسية الإيجابية جمهور العلماء المعاصرين في المشرق وفي المغرب وعليه قرارات المجامع المتخصصة؛ ولم يخالفهم إلا قلة قليلة-كما سبق -بناء على رأيهم في المنع من الإقامة في بلد الكفر؟! والمنع من التجنس بجنسيتهم!؟
ولا شك أن هذا قول مرجوح ولا يتأتى عليه تفريعٌ والحال أن المسلمين هناك مقيمون لأجيال بل صاروا مواطنين وليسوا متجنسين فقط بل قالت طائفة من العلماء أن هذا النوع من المسلمين تجب عليه الإقامةُ ثَمَّتَ ولا يجوز له أن يُخلي مكانه بهجرة وهمية بل الهجرة الحقيقية هي نصرة العدالة والإسلام هناك ..
يقول الشوكاني:
“… وإن كانت المصلحة العائدة على طائفة من المسلمين ببقائه ظاهرة، كأن يكون له مدخل في بعض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو في تعليمه معالم الخير، بحيث يكون ذلك راحجاً على هجرته وفراره بدينه، فإنه يجب عليه ترك الهجرة، رعاية لهذه المصلحة الراجحة، لأن هذه المصلحة الحاصلة له بالهجرة على الخصوص تصير مفسدة بالنسبة إلى المصلحة المرجوة بتركه للهجرة“.
ويقول الشيخ المراغي: “المقيم في دار الكفر لا يُمنع ولا يؤذىٰ إذا طبق شعائر دينه، فلا يجب عليه الهجرة، كما هو شاهد من المسلمين المقيمين في بلاد الإنجليز الآن، إلا أن الإقامة فيها ربما كانت سبباً من أسباب محاسن الإسلام، وإقبال الناس عليه“.إهـ
وعليه “فالمشاركة لترشيح الأنفع” هو فرع من فروع الشهادة التي نهى الله عن كتمانها فقال: “ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه”.
وأن هذه الفترات الانتخابية هي دعوة للإدلاء بتلك الشهادة لعل الله يغلب الخير على الشر؛ قال تعالى: “وأقيموا الشهادة لله“.
ومن دُعي لشهادة هو قادر على إبدائها إنصافاً للعدل وللحق لم يجز له التأخر وقد قال تعالى: “ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا“.
فإن قال قائل: هذه دولة على غير ديننا ولا تحكم إلا بالطاغوت؟
قلنا: هذا الاعتراض منقوض بما ذكرنا سابقاً بأن السياسة العامة لا يقصد منها إلا جلب المصالح ودفع المضار وتقليل الشرور وهذا الباب في زماننا متشابك ملتبس في بلاد المسلمين فمابالكم ببلاد الغرب؛ وعليه فمهما كان نوع السلطة الحاكمة فيبقى مطلب التخفيف قائماً حتى لا تسوء الأوضاع أكثر وحتى يبقى للمسلمين على الدوام منفذ لإبلاغ الصوت وللتأثير في الواقع..
وقد ذكر الله طلب يوسف ولاية المالية بل ورئاسة الوزراء في دولة كافرة مشركة منحلَّةٍ أيام ملك مصر العزيز وسماه الله تمكيناً رغم وجود النظام الطاغوتي العام إذ ذاك.. قال ربنا تعالى: ﴿قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم﴾﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين﴾ بل جعله من إحسان يوسف في التدبير ومن رحمة الله الخاصة التي يصيب بها المصلحين فيُهْدون بها إلى اقتحام المجتمعات بحسن البلاء وجميل العطاء ولن يضيع أجرهم عند الله إن هم تعبوا وأوذوا في سبيل تحقيق تلك المقاصد ..
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر“. (رواه البخاري ومسلم).
والفجور اسم عام يتناول عموم الخروج حتى بالكفر؛ فمن لم يجد ظهيراً إلا من عقلاء غير المسلمين فقد وجب عليه أن يتحالف معهم لتأييد المسلمين ودفع الاضطهاد عن دينهم الإسلام ..
وقد أرشدت الشريعة المسلمين في الهجرة الأولى إلى الاستعانة بالنجاشي قبل أن يسلم؛
وبعد أن أسلم رضي الله عنه لم يأمره النبي بترك منصبه ولا بتغيير دستور قومه؛ بل ظل على رأس النظام الطاغوتي في الحبشة ومع ذلك قال رسول الله عنه لما مات: “مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمةَ“. (رواه البخاري ومسلم). وقد أحسن التعليل الحافظ ابن حجر إذ قال عند ذكر النجاشي بأنه: “كان رداء للمسلمين نافعاً“؛ لبيان أن هذه علة صحيحة مطلوب تحصيلها شرعا رغم عدم استيفاء أشياء أخرى ورغم فساد النظام العام وأنه ليس إقرارا له ..
قال ابن تيمية: “فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن كانوا لم يلتزموا بشرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه؛ بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها.. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها“. (مجموع الفتاوى19/218).
إذا فلا خلل في العقيدة إذا سعيت في تحقيق المستطاع؛ بل إنَّ ذلك من تمام صحة العقيدة وحمايتها؛ بأن لا تترك الباطل وحده في الساحة وأن تقاوم شوكته حتى يحق الله الحق بكلماته؛
ولذا فمسألة الانتخابات من حيث الظاهر فقهية ومن حيث العمق فهي عقدية؛ وكذلك كل أفعال المسلمين لا ينفصل فيها العمل عن الإيمان من حيث الوازع والدافع ؛
وليس كما يظن بعض الناس أن الانتخابات من التحاكم للطاغوت فتترك بل هي نوع من العقود مع غير المسلمين على أن يتنافسوا سياسيا؛ وقد قال الله تعالى: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها“.
وليس في الاتفاق إقرار بل هو ترسيم لحدود الحقوق كما وقع لرسول الله في صلح الحديبية؛
إذًا فسواء اعتبرناها فقهية أو عقدية فالأمر لا يختلف من جهة مشروعية المشاركة ووجوبها ؛
بل كونه عقديةً يدل على وجوب المدافعة أكثر مما يُتوهّم من اقتضاء الانعزال ..
وقد تقرر في الشريعة أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وأن ما لا يدرك كله لا يترك بَعْضُهُ، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ وأن الأمور بمقاصدها؛ وأن من نظر إلى مآلات ترك المدافعة السياسية من السلبيات التي هي أخطر من إشكالات المشاركة وجب عليه أن يسد ذرائع هذا الضرر الأكبر والمآل الأخطر ..
ورحم الله عمر إذ كان يقول: “لأن أستنقذ رجلا من المسلمين من أيدي الكفار أحب إلي من جزيرة العرب“.
ولا شك أن ما سيدفعه عمر فيه تقوية لأعدائه ولكنه استصغر تلك المفسدة أمام مصلحة حماية المسلم؛ فكيف لو تعلق الأمر بانخراط سياسي ونضال حقوقي من أجل حماية الوجود الإسلامي العام في بلاد الغرب؟
فلا شك أنه أولى وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني“.
ولا شك أن هذه نماذج من الغايات ولا تتحقق إلا بوسائل إذا فرسول الله يأمرنا بها وبوسائلها لتيسير تحقيقها.
وقد قال رسول الله عن تحالف كفار قريش في حلف الفضول: “ولو دعيتُ لمثله في الإسلام لأجبْتُ“.
مع أنه حِلْف يجمع المناوئين وليس كل ما فيه مشروع فنظر رسول الله إلى جانب منه وهو العدل والنصرة فأقره وساهم فيه؛ وبيَّن بفعله أن المشاركة بتأييد الخير في أي تجمُّع حتى ولو كان كافراً
فهي بابٌ من أبواب النصرة.
وقد سئل العلامة رشيد رضا (المنار7/561): “هل يجوز للمسلم المستخدَم عند الإنجليز الحكم بالقوانين الإنجليزية وفيها الحكم بغير ما أنزل الله“؟
فأجاب بالجواز وقال: “وعلى من أقام أن يخدم المسلمين قدر طاقته ويقوي أحكام الإسلام بحسب استطاعته، ولا وسيلة لتقوية نفوذ الإسلام وحفظ مصلحة المسلمين مثل تقلد أعمال الحكومة..، والظاهر أن ترك أمثاله من أهل الخبرة للقضاء وغيره من أعمال الحكومة تأثماً من العمل بقوانينها، يضيع على المسلمين معظم مصالحهم في دينهم ودنياهم، وما نكب المسلمون في الهند ونحوها، وتأخروا إلا بسبب الحرمان من أعمال الخدمة“إهـ
بناء على ما تقدم وغيره مما لم نذكره اختصاراً فجوابنا عن السؤال الأول:
1- ما هو دور المسلمين في الانتخابات البرلمانية في الغرب عموما، وهولندا الآن خصوصا ؟ هل يجوز لهم التصويت؟ وما الدليل؟
بأنه يجب على المسلمين أن ينخرطوا في الانتخابات البرلمانية دعماً لمن هو أنفع للصالح العام من جهتين:
1-من جهة كونهم مواطنين وأن هذا بلدهم وشئونه وتنميته تعنيهم كما تعني غيرهم
2-ومن جهة ثانية وهي لحفظ حقوق أهل الإسلام؛ ويتأكد هذا وجوبا في مثل هذه الظرفية التي تتعالى فيها أصوات اليمين المتطرف ودعاة الإسلاموفوبيا بحيث لا يجوز لمسلم أن يتخلف عن نصرة من هو أقرب إلى الوفاء بالعهود والإنصاف للحقوق وأن لا يتوانى في قطع الطريق عمن هم أداة لإذاية وإذابة المسلمين وأن يستعين بالله في دعم من هم أعقل و أقرب كما سبقت الإشارة إلى أدلته وقواعده وأن هذه المرحلة مرحلة توحد أمام الخصم المشترك بغض النظر عن اختلافاتكم الجزئية وأن تهتموا بالجوهر الذي يشملكم؛ وأن هذا الذي يعاديكم هو واحد وينظر إليكم بنظرة احتقار أجمعين؛ فوجب أن تتحدوا ضده وأن تكونوا مع خصمه؛ وبالأخص لو تيسر ترشح مسلم كما يقع في الانتخابات البلدية وفي بعض الدول؛ فلا تشقوا صفوفكم واستنيروا بأهل العلم فيكم؛ ولا تطلبوا الكمال في وقت النقص والاضطرار؛ واحرصوا على جمع كلمتكم بعيداً عن الجمود وعن مقدمات التنطع والتطرّف والإرهاب القاضية بالسوداوية القاتمة ؛ وتَحَلَّوا بالتفاؤل والإصرار؛ حتى تكون مواقفكم قوية ويكون طرحكم السياسي ذَا مفعول وصوتكم الإعلامي ذَا ظهور مما يستدعي بعض تنازل وكثير تنظيم…
ومن صوَّت لخلاف هذا أو تقاعس في الجانب الأَوْلى بتركه المشاركة الإيجابية؛ فهو إما مقصِّرٌ في مدارسة الواجب وإما جاهِلٌ أو آثمٌ أو خائنٌ .
سواء اعتبرنا التصويت أمانةً أو شهادةً كما سبق أو اعتبرناه حقا من حقوق المواطنة أو وظيفة للمواطن بصفته عضوا في مجتمعه وأمته؛ فهل يصح لمسلم عاقل أن يترك أمانته وشهادته أو أن لا يبرز اختياره؛ أو أن يفرط في حقه ويخليَ وظيفته؟
وأما ما يتذرع به بعض الناس من مفاسد في عموم المنهج الديمقراطي -وهو معيبٌ طبعاً-فكثير منه ليس راجعاً لمسألة الانتخابات كوسيلة للتنافس السلمي؛ بل هو راجع لغياب القيم والمبادئ في الناس مُرَشَّحين ومرَشِّحين وهو مما يؤكد وجوب الاستمرار في الإصلاح لا تسويغ الانقطاع.
وقد نص العلماء على أن التصويت فرع عن الترشح وإذا سلمنا كما ذكرنا سابقا بالأدلة عن جماهير العلماء بجواز واستحباب -وقد يكون واجباً- طلب الولاية ولو تحت نظام غير إسلامي؛ فإن التصويت على هذا الوجه جائز أو واجب على مذهبهم اتفاقاً لأنهما متلازمان الترشح والتصويت؛ وقد سَلَّم كل العقلاء بأن عدم المشاركة -أي المقاطعة السلبية غير المُنَظَّمة- لا تغير شيئا بل ربما تُسيء وتضر؛ وأن المشاركة الإيجابية لا بد وأن تحقق شيئا حتى ولو قل ؛ وأنها تنفع غالباً ولا تضر إلا نزراً ؛ فبان أن المشاركة أوفق للمصلحة وأبعد عن المفسدة من التخلي والمقاطعة في الأمدِ القريب والبعيد .
وقد أحسن العلامة ابن سعدي رحمه الله في التنبه لفائدة عظيمة من قوله تعالى في قصة شعيب خطيبِ الأنبياء مع قومه المخلِّين بالإيمان وبالميزان “قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول ولولا رهطك لرجمناك” قال السعدي رحمه الله: (( أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئا منها؛ وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار؛ كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه؛ وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها؛ بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان؛ فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار؛ وعملوا على جعل الولاية جمهورية؛ يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية؛ لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية؛ وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم؛ نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين؛ ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم.)).إهـ كلامه نوَّر الله ضريحه . قُلْتُ: وهي قاعدة عامة في التزام المدافعة بالأخف ويتأكد ذلك في غير بلاد المسلمين وعليه فيستوي إذ ذاك الرجل والمرأة من حيث الترشح ومن حيث التصويت وهو في الثاني أظهر؛ سواء في الرئاسة العامة أو الولايات التابعة أو المجالس النيابية أو البلدية أو نحوها؛ وهنا أؤكد أنه لا تكاد تختلف المعطيات والصور في عصرنا إلا قليلاً فيما بين المجتمعات الإسلامية وغيرها لشيوع العمل بالأنظمة الديمقراطية؛ وإن كانت بعض الفروق هنا أو هناك تراعي الثوابت والخصوصيات فيكون لها بعض التأثير في نوع الحكم الشرعي و مرتبته مما هو معروف؛
ولكن الأصل العام الذي يضبط هذا الباب في كُلِّيته وينبغي التركيز عليه هو ثلاث قواعد:
1-أن هذا الواقع ليس هو المرضي باتفاق ..
2-وأن المدافعة الإيجابية لا بديل عنها باتفاق ..
3-وأن هذا “الخيار الإجباري” هو أخف وطأً وأقل مفسدة وأقرب إلى الحق والشورى من خمسة أوجه فهو : 1- أضيق على الظلم ولاستبداد
2-وأنفع لرفع الوعي وتنمية الأوطان
3- وأدعى للاستقرار السلمي بلا تطرف
4-وأظهر لشرعية الاختيار بلا إكراه
5-وأضبط لتحمل المسئوليات وأداء الحقوق ..
فعلى المسلم أن يكون فاعلاً في أي مجتمع كان؛ لأن هذه هي حقيقة الإسلام وحقيقة الهجرة؛ بأن يسلم الناس منك إلا في الخير؛ وأن تهجر كل سبب للشر؛ وأن تحب للناس جميعاً ما تحب لنفسك من الكرامة و الخيرية والمنفعة ..
وأن هذه من ثمرات الإيمان الذي يتحلى به المؤمنون إذ يدفعهم للإحسان العام بكل صوره فيسعون لتحقيقه من كل أبوابه .. والله تعالى أعلم “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب“.
وصلى الله على حبيبنا رسول الله وآله وصحبه
والحمد لله رب العالمين .

شاهد أيضاً

sddefault

سجال علمي حول قول القائل: “إلا رسول الله”

سجال علمي حول قول القائل: “إلا رسول الله” في مجموعة {مؤسسة ابن تاشفين} على تطبيق (واتساب) ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *