ميثاق العلماء ..

ميثاق العلماء ..
(رسالة العالِم هي رسالة الله وكتمان “الهدى” أشر من كتمان “البينات”)

 

Aya

-1-تأصيل :
لقد أتم الله علينا النعمة بإنزال الكتاب ونشر السنة وحفظهما فليس لأحد فضل في ظهور ألفاظ الكتاب والسنة ولا يمكن لأحد أن يحجب أُصول معاني الوحيين.. وإنما يتفاضل العلماء الصادقون في أمرين اثنين هما المزية التي بها يكونون ورثة للأنبياء بحق:
-تجديد المَعاني التي تندرج في الوحيين.. وهو جانب علمي يدل على دوام الارتباط بالوحي اقتباساً للمعاني واستنباطاً للدلالات لكل الأحوال..
-ربط الوحي بواقع الناس تنزيلاً وتصريحاً.. وهو جانب عملي يدل على دوام الارتباط بالوحي عبودية لله تعالى في كل زمان وفِي كل مكان وعلى كل إنسان وعلى كل أمة.. ومن هنا يُعلم أن آية الوعيد من كتمان البينات ليس المراد كتمان حروفهما ولا جلي معانيهما إذ كيف سيكتم وقد تواتر وذاع وحفظ رواية ودراية وكتابةً.. فهذا الكتمان قد يكون خاصا بوجه ما كما لو امتنع عن جواب فتوى تتعلق بجبر الصلاة مثلاً أو لتعليم طالب جاء يطرق باب عالم ولا معلم سواه؛ فهذا من صور الكتمان التي يتكلم عنها العلماء ترغيباً في التعليم وفِي الدعوة؛ ولكنها تعود لمصلحة العالِم وحاجة المتعلِّم وإلا فيستحيل أن يضيع شيء من نصوص القرآن حتى لو كَتَم هذا العالم وانعزل لأنه محفوظ تواتراً ولذا قال :”من بعد ما بيناه للناس“فهو مُبيَّنٌ..؛ ولكن الذي قد يطاله التحريف وسوء التأويل والتجهيل غالِباً هو ما يتعلق بشيء آخر غير نصوص الوحيين وهو المراد عندنا هنا؛ إذا فالوعي مُنصَبٌّ على شيئين هامَّين جدا :
1-على كتمان توسيع الدلالات بحيث يحذف ما حقه الإلحاق رهبةً من الناس أو الحكام أو العادة..
2-وعلى كتمان الربط بالواقع تنزيلاً للنصوص آيات وأحاديث على ما يقع من خلل أو إخلالٍ أو تغييبٍ ..
فأمام هذه النوازل التي تعصف بالأمة صباح مساء ليس أمام العلماء ليكونوا قوامين بالقسط شهداء لله إلا أن يدرجوها في ما يليق بها استدلالاً من الوحي أمراً أو نهياً؛ وربطاً تنزيلياًّ بين النص والواقع بين الحديث والحَدث بين الدواء والداء فهذا والله أعلم هو سر العطف على البينات بذكر الهدى فكأن الأول هو البينات والثاني هو الهدى فالعلم بينات وهدى فمن فرق بينهما فما هو من العالِمين.. بل هو من الكاتمين لما أنزل الله من البينات والهدى حتى ولو حفظوا الحروف وقرؤوا بالعشر وشرحوا المتون.. فما هم مع ذلك بأهل بلاغ.. وإنما أهل قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً أي يعتنون بجانب ويدعون الجانب الأعظم الأهم.. ولذا كان إثمهم عظيما لا يثبت معه أجر ذلك الإبداء القليل من تعليم ونحوه لأنه عاد على أصل الهدى بالإبطال فاستحق نقيض قصده فأَثِم بعقابٍ حيث الأصل الثواب؛ فلذا جاء الوعيد خطيراً بحيث شارك في السخط عليهم كل من في الكون لأن فساد فعلهم يفسد به كل الكون.. ولا يصلح الكون إلا بحسن التجديد وقوة التنزيل.. وهو “عَيْنُ الروح” التي يوصف به الوحي فيحيي القلوب والعقول والنفوس؛ وبعملية الحيوية بين البينات والهدى تتحقق الحياة الأقوم بالقرآن؛
فالقرآن هو نص جعل للإنسان باستمرار ليخاطبه ويستمع لأسئلته ويقدم الإجابات التي يتطلبها هذا الإنسان، أن يوضع القرآن مواجها للإنسان بهذا المعنى يجعل النص والإنسان في حوار متواصل، وإذا لم نفهم ذلك فسنجعل النص ميتا
ولشدة بلاء هذا الأساس وعظيم خطره كان هو الأليق بما يبلغون من الدرجة العظيمة عند الله فكانوا خير الشهداء على أجل مشهود “شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم” ولذا يعتدى عليهم لعظيم استفزازهم للمستبدين”ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس” فهذا هو العلم المحمود وهذه هي مدارج عُلاه وما عداه فرسومٌ و رُقُومٌ…
قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ*إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ فاحذر أيها العالم المسلم إن لم تصدع بالحق فلا تقل الباطل ولا تدعم الظالمين؛ فمجرد السكوت عن الظالمين خطير؛ فما بالك بنوع تأييد ولو بمفهوم غير مقصودٍ.. ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا
ومن لطائف آية البقرة أنها مدحت اللاعنين مع أصالة كراهة اللعن شرعاً وذلك أنه إذ يكون في محله بدليله فإنه من الدين نصيحةً أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ولذا فسر اللاعنون بالصالحين قال ابن عاشور: “اللاعنون المتدينون الذين ينكرون المنكرَ وأصحابَه ويغضبون لله تعالى…” ومن هنا سيصير فهم آية آل عمران وهي أم الباب في هذا المعنى (وإذ أَخَذَ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬مِيثَاقَ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬أُوتُوا‭ ‬الْكِتَابَ‭ ‬لَتُبَيِّنُنَّهُ‭ ‬لِلنَّاسِ‭ ‬وَلا‭ ‬تَكْتُمُونَهُ‭ ‬فَنَبَذُوهُ‭ ‬وَرَاءَ‭ ‬ظُهُورِهِمْ‭ ‬وَاشْتَرَوْا‭ ‬بِهِ‭ ‬ثَمَنًا‭ ‬قَلِيلا‭ ‬فَبِئْسَ‭ ‬مَا‭ ‬يَشْتَرُونَ﴾ بحيث يعلم أن التبيين المطلوب شيء زائد على البيان الذي تم بحمد الله رواية ودراية وإنما هو شيء تمليه الأيام فيحتاج إلى ربط شجاع للتنزيل الصريح دون كتمان ولا نبذ ولا تعمية ولا إخفاء وأن من ترك هذا التبيين الواقعي التنزيلي فهو ممن اشترى بآيات الله ثمنا قليلاً ولا يبعد أن يكون هذا الثمن القليل هو الاقتصار المعنوي على ما فُرغ منه من علوم الكتاب والسنة إلهاءً للأمة بالرسوم وإشغالاً لهم بصراعات العلوم بعيداً عن التبيين الحق الذي أراده الله فبئس ما يشترون ..
-2-التمثيل :
ولو أردنا تقريب المعنى عمليا تمثيلاً ببعض أحوال عصرنا هذا فإننا سنجد عشرات الأمثلة التي تطرح فيها “جدلية علاقة الفقيه بالسياسي” وكيف أن السياسي قد يستغل الفقيه أسوأ استغلال وأن الفقيه إذا لم يكن ذا استقلال في الرؤية وفِي القرار فإنه يصير من أسوإ آليات السياسي لفعل كل جريمةٍ وشرعنةِ كل فسادٍ؛ وقد رأينا من “فقهاء الانقلاب” ومن “شيوخ الاستبداد” في بلاد مصر والمشرق ليس آخرها إلا تسليم مصر طلاب الأزهر التركستانيين للصين كإرهابيين ؟؟ ما جعل كل غيور يجأر إلى الله من سوء ما يرى ويسمع من استغلال سيء مريب لمنابر شريفة عظيمة عند المسلمين كمنبر الأزهر والحرمين بل وقنوت التهجد والختم والقيام ولو مع كره المصلين لبعض المضامين ؟؟ ؛ بحيث لم تعد هذه المنابر الكبرى التي هي حق حصري عام للإسلام وللمسلمين ناطقة باسم الأمة ودينها؛ بل باسم بعض رُعاتها وربما لبعض طغاتها؛ دون اعتبار لبقية المسلمين من المصلين؛ لعل لهم رأيا أولى من رأيهم وأحق وأصوب؛ وهذ من أخطر ما يكون على دِين الأمة وثوابتها وتاريخها؛ فلو قدِّر من اختلاف رأي واجتهاد متنازعين؛ فيجب أن تضمن هذه المنابر العامة حيادها واستقلالها وعمومها؛ وكما قال الأستاذ المرزوقي: “فالحرمان يُخْدَمَانِ ولا يُسْتَخْدَمَانِ” قُلْتُ: فهما حق ومِلك للأمة والناظر عليهما مؤتمن من الأمة أن يُعبَدَ اللهُ فيهما لا أن يَعبَثَ أحدٌ بهما؛ فيُخيِّل للأمة أنه الناطق الرسمي باسم البيت الحرام وما يصدر عنه مبارك من الحجر الأسود أو معصوم من الروضة الشريفة؛ فنحن لا شأن لنا بخصوصيات سياسات الأنظمة الخاصة؛ ولكن دون استغلال لمقدسات الأمة العامة…

وقد كُنَّا نعهد في ملالي إيران والرافضة الضلال أن يبيعوا المواقف ويحرفوا العواطف؛ ولكننا لم نعهد ذلك في أهل السنة بل كان أهل السنة عبر التاريخ كالإمام مالك وكابن تيمية أبعد الناس عن تزيين جرائم الحُكام وتبرير أخطائهم خلافاً للروافض؛ ولكن وضعية “الأزهر” مع الانقلاب ووضعية “مجلس الحكماء” في دولة الإمارات مع عموم سياساتها؛ ووضعية شيوخ “هيئة السعودية” مع نازلة الحصار؛ تؤكد أن مصطلح العلماء ينبغي تحريره في عصرنا لفظاً ومعنىًٰ ومغْزىًٰ.. وإلا فبأي ميزان يتكلم مدعي العلم حينما يجعل حركة حماس التي تقاوم بني صهيون إرهابية؛ ويجعل من مجموعات جنود تحمي حدود بلاده -وذلك حقها وواجب عليها ونحن ضد من يعتدي على أي بلد فما بالك بالاعتداء على حدود بلاد الحرمينِ الشريفين حكومة وشعباً- من طيش جيرانها الحمقى المسلمين من شرذمة علي صالح الحوثية؛ فيجعل جنود بلاده مجاهدين ومرابطين وأن هذه هي “راية الجهاد” بحق في هذا العصر الحديث -كما سمعت قال بعض شيوخهم كالمدعو حمد العتيق- ويدعو لهم في كل وقت وحين !! ناهيك عمن يجعل عسكر مصر خير أجناد الأرض وأن قتلاه في الجنة ومعارضيه في النار !! (علي جمعة : اضرب في المليان ..!!) وكالهلالي وميزو.. وقد أحسن أخي فضيلة الشيخ الجليل الطريفي فك الله سجنه إذ قال في بعض تغاريده: “جاهلية اليوم أشر من جاهلية الأمس !! فجاهلية الأمس تقلد الآباء؛ وجاهلية اليوم تقلد الأعداء ” قُلْتُ ومن صورها ما رأينا من منابر في إعلام رسمي وباسم دعي جهول يدعى “وسيم يوسف” يسب دولة قطر لأنها استعانت بأردوغان وهم الذين يجيزون الاستعانة حتى بالمشركين والصهاينة والصليبين؛ ويقولون -في جاهلية غريبة عن بلاد العروبة والإسلام- يكفي أنهم فضلوا الترك على العرب؟؟ بل وجاءوا بنصوص في هجر المرأة والمبتدع والعاصي؛ وصاروا ينزلونها على حصار شعبٍ كامل و ضرار دولة ذات سيادة واستقلال بدعوى أنه هجر تأديب وهو جائز.. وكأنه يتكلم عن زعَلٍ في غرفة النوم؟؟ واأسفاه على العلم وأهله..

وكذلك آخر في السعودية يدعى سليمان الرحيلي يأمر بطاعة أمر ولاته بدعوى أنهم لا يفعلون إلا خيراً؛ وينهى أهل قطر على طاعة ولاتهم بدعوى أن حكامكم يفعلون شرا يأوون الإخوان ؟؟ إذا فهل الطاعة تجب لكم والخروج يستحب لشعب ضد وليهم إن خالفكم؟ من أين جاء هذا الفقه الوقواقي؟ أو يقول في بعض الأحداث التي على ولاته ودولته وظهر فيها فسادهم على الأمة في المال والحال والمآل لا تخوضوا في الفتن !! فإذا كانت لمصلحة دولته وولاته خاض ونافخ ونافح وجعله من الجهاد الأكبر ؟ من أين جاء هذا الفقه الوطواطي ؟ ويمنعون التشهير بولاتهم ويستحبون ذلك مع قطر حبا في أهلها ونصيحة لهم زعموا ؟؟ حتى قال هذا الرحيلي:(الإجراءات التي تقوم بها دولنا لا تستهدف قطر ولا أهلها؛ ولكن تهدف لنزع السم الذي نفثه الإخوان في أوصال قطر من سنين وفك سحرهم الذي يسلبون به مال قطر) ويقول -وكأنه هو أويس القرني مستجاب الدعوة- في استعلاء بيِّن وغرور كامن في أنفسهم أنهم الطائفة المنصورة وغيرهم مخذولون وكأنهم المعصومون وغيرهم ضالون محرومون.. فقال: (‏اللهم اهد أهل قطر شعبا وحكومة وردهم إلى أهلهم وأنر بصائر من ضل منهم وردهم إلى دينهم وشيمهم الأصيلة سالمين واجعل يدهم مع أيدي إخوانهم في الخليج) طيب على الأقل ادْعُ لنفسك وحكومتك وشعبك أيضاً لعلكم هنا أنتم أولى بالهداية والاستقامة والتوبة إلى الصراط المستقيم.

ويقول آخر: “للأسف اعلام قطر يعرف جيدا انه ليس على حق ويعرف الوضع تماما، حنا مانلوم الشعب لانه مغيب، لكن الاعلام مسؤول كما الحكومة” وكأن قطر هي التي تغلق القنوات وتحجب المواقع و تعتقل كل صاحب رأي مخالف ولا ترى عالماً إلا من ذويها؟ فمن المُغَيَّب على الحقيقة..!؟

ويقول آخر من أعيانهم وهو بن عيسى الحازمي مدير الشؤون الإسلامية بجازان : الإخوان مصاصون للدماء وأعداء للتوحيد.. وينقلون على لسان أمير من أمرائهم باسم خالد آل سعود: “وحسابكم الرسمي على أفعالكم السوداء أيها الإخونج السعوديون المتسترون قريب”‏ -يقصدون أخيار الأحرار كالطريفي والسكران والعودة والطريري.. ويقول آخر -وهو حمد العتيق- وهو مدخلي داخلي معروف: أما أنا فأقسم بالله العظيم أن ⁧‫#القرضاوي مفتي الإرهاب‬⁩ ⁧‫#وكبير تنظيم الإخوان الإرهابي‬⁩ الضال.. وأن قناة الجزيرة قناة الفتنة.. ويعلق عليه أحد شيوخهم وهو صالح السحيمي فيقول: (وانا اقسم بالله ان القرضاوي كلب عاوي من المضلين في الأمة..) ويقول آخر من شيوخ الريتويت والريموت: ((وأنا أيضاً أقسم بالله العظيم بأن القرضاوي أنجس من بول ‏الكلب ولحمه أنتن من لحم الخنزير وهو وحزبه ومؤيديه أهون عندنا ‏من جناح ذبابة)).

وأحيانا تكون الانقلابات من الحب إلى البغض هجمة فجأةً في هجعةِ ليلٍ بحال مريبةٍ لا تقع حتى عند من لا خلاق لهم ولا أخس حتى استقرأ بعض الدارسين بأنه في نحو 40 عاما لم نشهد إيران -على ضلالها وخبثها- تخلت عن أي حليف لها، ظالما كان أو مظلوما -كحزب اللَّات اللبناني وبشار سوريا-.. بينما تخلت السعودية -التي يفترض أن تكون قدوة لأهل السنة- عن أقرب حلفائها، وأشدِّهم وفاء، وأعدلهم قضية -كحزب الإصلاح اليمني- وأختها الشقيقة المتطورة “دولة قطر” !! حتى قالت مجلة (فورين بوليسي) الأميركية: “السعودية تضعف نفسها وتقوي إيران” إذا إن الضحية الكبرى بل المستهدف الأكبر هو الإسلام السني؟؟

وكأننا أمام “شروط كيرزون” البريطانية لتقويض المسلمين ولكن بصيغٍ دينيةٍ ملتحيةٍ ووجوه عَربية.. وخاصة بعد الجهود الكبيرة التي تبنتها إسرائيل والغرب؛ لشيطنة صحوة الربيع العربي؛ ولدعم الثورات المضادة؛ لأن الدول الاستعمارية بالشراكة مع إسرائيل؛ لن تقبل بالرأي الشارع العربي العام؛ ولا بتوجهات إسلامية تبعث في الأمة الرغبة في العدل والعزة والنماء؛ ولا بوعي عملي يأبى ترك الفلسطينيين مضطهدين؛ ولذلك سمته دوائرهم الإعلامية العالمية القوية “شتاء إسلامي” واستغلوا طمع الأنظمة المستبدة فقايضوا كراسيهم بطغيانهم على الشعوب العطشى؛ مع التركيز على حرب تركيا مع توجيه ضربات دبلوماسية لها عبر الإعلان عن دعم فكرة قيام الدولة الكردية ومد حزب العمال الكردي بالسلاح والعتاد. وفتح الأبواب للدب الروسي في المنطقة.. كل هذا وغيره ليس سرا في مراكز التخطيط الاستراتيجي الغربي والإسرائيلي.. ولكن الغرض هو التنبيه على استغلال المؤسسات الدينية والعلمائية للعب دور ضد الأمة وضد الإسلام.

إن ههنا خللاً كبيراً في استخدام العلم وفِي نزاهة أهله ورأس أسباب ذلك غياب قيم الحق والعدل والشجاعة والاستقلال في نفوس كثيرٍ ممن يدعون العلم وتصدروا للناس وحصل فيهم الاندساس ؟؟ فلا شك أن هذا فِقْه رسمي وظيفي وبعضه استخباراتي؛ بحسب أهواء حاكم البلاد ورضاه وما يشتهيه نظامه؛ وليس فقهاً شرعيا يقول بالحق إن كان له أو كان عليه..؟؟ ولا شك أن هذا المتكلم ليس بعالم ولا يحق له التوقيع عن رب العالِمين وإنما يوقع عن ” آراء اللاعبين ” ..

فلا يكون المرء من العلماء وأهل الاقتداء وشيوخ الدين إلا إذا قام بهذا الواجب بلاغاً وبياناً واصطباراً على أداء الأمانات إلى أهلها وأجلها أمانات الله من الهدى ودين الحق عِلْماً وعملاً كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ‏”فمن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر لم يكن من شيوخ الدين، ولا ممن يقتدى به” وتمامه قوله رحمه الله: (( والأمر بالمعروف، وهو الحق الذى بعث الله به رسوله. والنهى عن المنكر، وهو ما خالف ذلك من أنواع البدع والفجور، بل هو من أعظم الواجبات، وأفضل الطاعات، بل هو طريق أئمة الدين، ومشائخ الدين نقتدى بهم فيه، قال الله تعالى: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون“. وهذه الآية بها استدل المستدلون على أن شيوخ الدين يقتدى بهم فى الدين فمن لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر لم يكن من شيوخ الدين ولا ممن يقتدى به” – ( مجموع الفتاوى 510/ 11 )
قُلْتُ: ‏بل لقد اتفقوا على أن من الصور التي لا يدخلها الترخص بالإكراه “أن يقول العالم المقتدى به خلاف الحق علانيةً” وأنه كما لو قيل له إن لم تقتل فلانا قتلناك فلا رخصة له بدعوى الإكراه لأنه لا مزية لنفسٍ على نفسٍ كما لا حقيقة للثوابت إلا بثبات العلماء عليها كما قال تعالى “وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال” أي ثوابت الدين و أعلام علمائه.. ولا يكونون كذلك إلا إذا قاموا عليها أمرا ونهيا وعدلا. وعليه فإن من شروط العالِم في زماننا هو كيفية التموضع مع خطاب السلطة بلا خروجٍ ولا دخولٍ؛ فلسنا ضد عموم الحكام ولا نحن معهم أيضاً مطلقاً؛ ولكن بوظيفة النصح والبيان والاستقلال موافقة أو مخالفةً معهم في الحق وضدهم في الباطل.. ليكون موقف عالم الدين من المسائل السياسية الشائكة، وموضعه بين الثوابت الدينية والإكراهات السياسية الظرفية، مبنيا على البصيرة وبعيداً عن تبرير الجور والاستبداد أو المواقف السياسية غير الجائزة من خلال مبدأ “طاعة أولي الأمر” دون تمحيص؛ أو “مبدأ تجنب الفتنة” وقد يغرق فيها..!! ومن خطورة هذا “الخلل العُلمائي المشوه” أن هذه المواقف المتذبذبة قد تخلق -وبشكل عام استدعاء الديني لتبرير الفعل السياسي على علاته- التباسا كبيرا وحيرة لدى عامة المسلمين يفضي إلى الانحراف وربما إلى الإلحاد أحياناً، خاصة إذا كانت صادرة من أطراف دينية لها دورها ووزنها في المجال الديني، وبشكل أكبر إذا كانت هذه المواقف متغيرة ومتأرجحة بما لا يتناسب مع ثوابت الدين ومقاصده الكبرى؛ والتي هي أولى برعاية العالِم والمفتي وليس خصوص أهواء دولة أو آراء حاكِمٍ.. فهو مؤتمن على الدين وعلى أمة المسلمين لا على سياسةِ مُتصرِّفِين ولا على جهة أو بلدة فضلاً عن مواقف الجائرين أو جرائم المستبدين.. ويجب أن تتمايز وظيفة العالم في الدولة القائمة وعن طبيعة علاقته بأجهزتها، وعن حدود دوره بالنسبة إلى الأطراف المختلفة فيما يعرض من نوازل شائكة ، سواء تعلق الأمر بصفته مُعبِّرًا عن خطاب الشرع إذا كان الأمر بينا من حيث قدرته في تلك النازلة على تمييز الحق من الباطل ذاتياًّ، أو بالمسافة التي يتخذها من عموم المخاطَبين (الناس) ومن أهل السلطة والنفوذ إذا لم يتوفر له ما يكون به مميزاً فيلزم السكوت حتى لا يكون أداةً في يد الظالمِ ضد المظلوم، بالإضافة إلى مضمون خطابه ومرتكزاته التي يبني عليها مواقفه أو فتاواه.
محترزاً من ثلاث محددات بالغة التأثير في اختياره:

أولها: العلاقة بين الفقه الإسلامي (التاريخي) وجهاز الدولة الحديث. وثانيها: في أشخاص المشايخ والعلماء أنفسهم وطبائعهم، وثالثها: في غياب المنهجية واختلال وعي المشايخ بأدوارهم وبالواقع الذي يعيشون فيه.
أما بخصوص المشايخ والعلماء فلا بد من التذكير بأنهم بشرٌ تؤثّر فيهم ثلاثة عوامل فيما يخص فتاوى الشأن العام: الكفاءة العلمية والتكوين، والميول والمواقف السياسية، والرغبات الشخصية والمطامع (الأهواء). فالمعرفة الدينية أصبحت سائلة؛ نتيجة تحطم التقاليد العلمية، وفساد الدولة القومية ونظامها، وعبَث الأنظمة السياسية والإعلامية في صناعة وتسويق الرموز الدينية ولعل من أهم مقاصد الإمام الشافعي وعموم علماء الأمة من الحرص على علم أُصول الفقه وتأصيل معالمه هو لقطع الطريق عن “التلاعب السلطاني” “بالعالِم الرباني” فلكيلا لا تبقى أسس الاستنباط تابعةً لشهوات السلاطين ضبطوه بعلم يسدد المفاهيم لكل زمان ولكل الأحوال.. فميزان الفقه هو أصوله وليس أهواء الساسة وأطماع الدَبَّابة.. وبه نستطيع تفكيك الاحتمالات الأربعة لماهية عالِم الدين كما ذكر بعض الباحثين :
1-فنشأ لدينا فقهاء الحركة الإسلامية الذين يتبنون خطاب الاحتجاج .
2-وفقهاء التقليد الذي لا ينخرطون في الشأن العام .

3-وفقهاء الدولة الذين يُعبّرون عن مصالح السلطة وسياساتها.

4-وجماعات العنف و”الجهاد” الذين يريدون استعادة الخلافة..
ولا شك أن الحق في مجموع ذلك وأن الأول هو الأولى وبه يتمايز علماء السياط والبلاط عن علماء الصراط والرِّباط؛ أو ما سمي بعد “علماء السلطة” و “علماء الثورة والإصلاح” ؛ بحيث تتنزه كلمة الحق عن الاستغلال الذي رأيناه في “فتاوى الانقلاب”و”فِقْه المتغلب”و”نصيحة السر”.. من البيانات الدينية التي أصبحت أداة أو وسيلة لإضفاء الشرعية الدينية على سياسات بعينها لمواجهة المعارِضين، سواء أكانوا جمهورًا (كما في تحريم التظاهر) أم دولاً (كما في بيانات تأييد حصار قطر).. بل لقد تبرع علي جمعة بفتوى تاريخية مضحكة ينسب فيها دولة قطر لخوارج قطري ابن فجاءة و دولة الإمارات لهازم الخوارج المهلب بن أبي صفرة ليقول بأن هؤلاء أحفاد هذا وأولئك أتباع ذاك.. وأن قطر”أزارقة خوارج” ثم طبعا هذا تمهيد لجواز حصارهم بل لاستحباب قتلهم..؟؟
وأن الإمارات “هم أهل الجهاد الفاتحون” الذين يثبتون السنة والدين ويزيحون البدعة والشرك والمارقين! ثم طَبْعاً هذا تمهيد لوجوب الطاعة والدعاء واستحباب الموافقة والإعانة وتحريم المعارضة؟؟؟
بالله عليكم هل هذا علم هل هذا هو دِينُ الأزهر؟؟ ومثله ما رأينا من بيانات إخواننا الأجلاء في هيئة السعودية ضد جماعة الإخوان المسلمين؛ وكأن لسان أدعياء السلفية الجامية الداخلية هو من يتكلم عنهم لا خِطام ولا زِمام؛ أو أن الرضواني المصري هو من يكتب لهم؛ ومثله ما رأينا من عزل للإمام القرضاوي من رابطة مكة… وكتأييد سعد الدين الهلالي “المتنبئ السيساوي” للحكم بإعدام أكثر من خمسمئة بتهمة قتل ضابط؛ إذا فليس آخر المهازل ما فعل علي جمعة من نسبة قطر قطري ابن فجاءة كما ذكرتُ سابقاً فهو في سبيل رضا العسكر يمكن أن يحرف التاريخ والجغرافيا وليس الشريعة فقط ولذلك استحق بامتياز لقب “الواد سيد الشَّغَّال” وليحل محل الفنانة المبتذلة نبيلة عبيد في لقب “السياسي والراقصة” فالسياسي هو المستبد والراقصة هم أمثال علي جمعة من شيوخ السوء الذي يتماشون من أيِّ عَزْفٍ يعزفه المستبدون ولو على الجُثث..!! فكل هذه الصور تدل على سوء استغلال لما يفرض فيه على الأقل تمام الاستقلال دون انحيازٍ.. وإن كان ولا بد من انحيازٍ فبعد عرض مواقف الفريقين و حجج الطائفتين ثم بعد ذلك لا حَرَج.. ووالله إني لأكاد أعذر السياسي الفاجر والحاكم الحائر أن يفعل ما يشاء من وسائل لتحقيق أهوائه فإنه جاء على أصله وهو غارق في سكرته؟؟ ولكن الذي لا عذر له أبداً هو أن يكون العالم له أداةً فيصلح له دنياه ويفسد له هو دينَهُ وعلمه وآخرته؟؟؟
وينبغي التنبيه هنا على أن معظم العلماء بحمد الله وإن كان كثير منهم صامت في دول الخليج فإنهم لا يقبلون بالوضع ولم تستطع آلات الاستبداد تطويع من ترغب فيهم منهم وإنما نالت في الأغلب أصوات من لا وزن لهم عند عموم الناس وقد استقرأ بعض الدارسين في هذه النازلة الخليجية خاصة أنه قد «فشلت القيادة السعودية في تجييش أغلب علمائها ومشائخها في #حصار_قطر رغم كل الضغوط والابتزاز، لذلك بدأت الحملة ضدهم من أبواق القطيعة». وقال الباحث «عبدالعزيز الفراج متحسرا على عدم تجاوب مشاهير شيوخ الخليج مع الأزمة القطرية كما يُراد لهم من التسخين المتواصل وأن يكونوا في تماهٍ دائم وأن السكوت كالمعارضة فقال:
«للأسف أن مشايخنا 70% من الإخوان المتأسلمين!! و 99% منهم مُتعاطفون مع داعش!! والقطيع خلفهم والحَسَّابه بتحسب». قُلْتُ: ( حتى الحياد يزعج الاستبداد فلا يرضى إلا بالاستعباد وإلا فأنت من الأضداد .. ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى ..)

-3-اشتغل بما يعنيك:
وقد يقول قائل ألا يسعك يا شيخ عادل أن تلزم السكوت فتتقي الأذى وتبقي الندى وتحسب للأيام كما يفعل كثير من شيوخ المتون.. فإن هذه سياسة محضة؟ ويوشك أن تنقشع فتهلك أنت في الذم والمنع و المغارم؛ ويفوز غيرك بالثناء والفسح والمغانم؟؟؟ فلا تحارب ولا تقرقب؛ وراقب وقارب؛ وتجلبب وتقبَّب؛ كما يفعل غيرك؟ فإذا وضعت الحرب أوزارها كن مع الغالبين كما شرط سحرة فرعون والمنافقون؟؟ واجلس بعدها لشرح باب الإمالة وحروف الجر وصور سجود السهو والمقولات العشر وبلاغة التقديم والتأخير وأشراط الساعة وعلامات حسن الخاتمة وهل الساق صفة للباري أم هي الشدة؟؟؟ مبدئيا أقول ما قاله الكواكبي: (( قيل لأحد الأُباة: مافائدة سعْيك غيرَ جلب الشقاء على نفسك؟ فقال: ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين )). وخير منه وأبلغ “وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ” ثم أقول:

1-أما كونها سياسة فلا يبعدها عن مجال الشرع أو مجرد الرأي شيء فكيف يُتكلم الصحافي والعلماني والشرقي والغربي باجتهاده ويحظر على مثلنا نحن الكلام ترغيباً أو ترهيباً ..
2-وأما إذا لم تكن سياسة محضة بحيث خالطها من موجبات الشرع الذي يتحمله العلماء كوجود المنكر البيِّن أو استفحال الظلم الشديد فهنا يجب الكلام لا من الجهة السياسية السائغة للعارف المهتم بل من جهة أن الحقوق يجب أن تصان ويدانَ مضيعها..
3-وأما إذا كان أحد الطرفين المتنازعين ظالماً غالبا أو مخطئا غالباً ثم استعان في تمرير خطئه وتبرير ظلمه بمن ينتسب للشرع من العلماء والخطباء والوجهاء فصاروا يختمون القرارات بالآيات ويذيلون السياسات بالبيانات فهنا لم تعد الخصومة سياسية فقط ولا مع حاكم أو مسئول نخطئه وننتهي بل هذا عالم يلبس الباطل لبوس الحق في نظرنا فلا يجوز السكوت عن تحريف الدين ونصوصه ويحرم أن يوقع باسم الله على ضلال ومن سكت عنه من العلماء فهو مقر لتحريف الشريعة وليس متورعاً عن مدلهمات السياسة.. فالمعركة هنا إذا شرعية علمية من صلب تخصصنا واهتمامنا ومسئوليتنا..
4-وإذا كان كذلك فكيف للمخطئ أو الظالم أن يجد شجعاناً من ذوي العمائم واللحى بالعشرات بل بالمئات من المعروفين أو من المدسوسين يحسنون فعله ويجاهرون بإقراره في كل القنوات وبكل الوسائل.. ثم من يراهم مخطئين يسكت عن خطئهم ولا ينكر ظلمهم.. أحلال عليهم حرامٌ علينا.. أم هو ميزان التخويف بالبطش والقوة والعاقبة..؟
-إذا فمثل هذه المواضيع العامة الظاهرة يجب أن لا يسكت فيها العلماء بحق وصدق: 1-سواء من جهة حرية الرأي 2-أو من جهة إنكار المنكر 3-أو من جهة رد من يتكلم باسم العلماء لصالح الطرف المبطل.. كما قد رأينا في النازلة الخليجية -أصلح الله بين إخواننا أجمعين وحفظ الله بلاد الحرمين وقطر من الفتانين- حيث تحركت جحافل من الوجوه الدينية الرسمية وغير الرسمية تريد تبرير كل فَعلة لدول الحصار بالآية وبالحديث بل إن علي جمعة استنطق بجهالاته حفريات التاريخ.. فلو كان جدلا يسعني السكوت عن النازلة باعتبارها حدثاً خاصا بين طرفين فإنه لا يسعني السكوت عما أراه يفترى باسم العلم والدين وعلى لسان هيئات وأشخاص تسويغاً وتبريراً ودعوة لموقف الطرف المخطئ أو الظالم؛ فالمعركة هنا صارت بين “عالم سوء وعالم حق” وصار الأمر يعنينا بصفتنا منتسبين للعلم وأهله أكثر من أي أحد آخر؛ والتاريخ في الدنيا والآخرة سيكتب الحدث بكل حيثياته؛ فهل يكتب الله علينا أنا تركنا أقواما يفسرون النصوص بالأهواء وينزلونها بالخِطاء.. فهذا لا يجوز بإجماع ولم يكد يقع إلا ممن حرفوا الكلم عن مواضعه من بني إسرائيل.. ولا يجوز بِحالٍ أن يترك مبطل أو ظالم يعبث بالدين وبالتاريخ وبعقول الناس كيف يشاء فلو أردنا تحملهم أن يحرفوا السياسة والدنيا -وهو لا يجوز- فلا يجوز بحال أن نتركهم يتكلمون بلسان العلماء وبلسان الأمة لتحريف الدين ومعالمه.. وإذا كانوا يسوغون كل شيء لجلب الأنصار لقراراتهم أفلا يحق لنا -بل يجب علينا- أن نجلب الناس لرؤيتنا وقناعاتنا ولو من باب التدافع والتقاضي بين الخصوم حتى يظهر الحق وينصر العدل.. ومن الخطإ الكبير أن يكون المخطئ مثلا من أحد أشقائنا الفضلاء في المملكة السعودية الشقيقة بحيث نستنكر بعض سياستها العامة المتعلقة بالأمة وبالشريعة -ليس بخصوص شئونهم الخاصة- ويستغل بعض العلماء لتبريرها؛ فيراد مِنَّا السكوت عنها ويجعل كلامنا طعناً لبلاد التوحيد وللحرمين وكأن الأنظمة البشرية بتصرفاتها الصائبة أو الخاطئة هي ناطقة باسم الشريعة أو مكة وطيبة أو أننا نحن أجنبيون عن التوحيد والسنة؛ لماذا إذا رأى بعضنا توافقاً مع دولته انطلق لسانه بالأدلة والشواهد ضد أي كان؛ وإذا كان الخلل من دولته في موقف ما رجع القهقرى والتمس المعاذير واحتمل للتخويف أن وراء الأكمة ما وراءها و ربما أيد وناصر الخطأ والخطل وقليل الأمارون بالمعروف الناهون عن المنكر.. إننا لا نطعن في إخواننا العلماء بقدر ما نذكر أنفسنا جميعاً بخطورة موقفنا على حفير جهنم شهادة لله وأمانة للأمة وأن ما قد نعذر فيه أحياناً من التباس في الأحداث وشح في المعلومات واضطراب في المعطيات؛ ينبغي أن يكون بالبرهان والميزان والإمكان لا بالتشهي حسب الأماكن والأزمان وأهواء بعض السلطان.. ورحم الله الأديب المنفلوطي إذ قال: ((بعض البسطاء تُدهشك استقامتُهم، و بعض العلماء يُدهشك اعوجاجُهم، فلا تكونوا دومًا أسرىٰ للعناوين و عُبّادًا للألقاب)) وقد أحسن بعض الفضلاء إذ قال: (( النظر في الأمور المشتبكة، السياسية ونحوها، خاصة في فترات النزاع والمغالبة، من المهم: 1-تعدد مصادر المعرفة للشخص، 2-والحرص على سماع وجهات نظر مختلفة دون النظر للكثرة والقلة. 3-ثم الانعزال عنها جميعا والتأمل في حجج مختلف الأطراف ..)) 
وهذا النظر يكون في ضوء المحكمات الشرعية والمحكمات العقلية، متجردا من الهوى والعاطفة ولو كانت نبيلة؛ ثم عمل موازنات بين الرؤى..
إن من أخطر الأمور ان يقع الإنسان ضمن أسر الرأي البشري الواحد خاصة عندما يتشكل هذا الرأي (وفق مؤثرات متعددة) ليكون هو السائد، فيشكل رأيا شبه عام، حيث يؤثر هذا الرأي العام في طريقة تفكير ورأي المتلقي دون أن يشعر حتى ولو كان عقل المتلقي من أرجح العقول..
وهذا ما حدث بالضبط في حادثة الأفك زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فقد وقع في أسر الأفك بعض الصحابة تأثرا بالصوت السائد، حتى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذاته توقف في الأمر حتى أعلمه الوحي بالحق بنص يتلى إلى يوم القيامة؛ وما حدث خلال فترة الصحابة من خلاف رغم جلال قدر كل طرف؛ ولكن كل طرف يسود فيه رأي يؤثر على أفراده، مع سلامة القصد والنية…
والعقل الجمعي في علم النفس له تأثيره، ولذا تسعى القوى المتصارعه بكل ما تملك على تحجيم الرأي الآخر وتكثيف الرأي الذي تتبناه (ترغيبا او تخويفا) لمعرفتها بقوة تأثير ذلك في تشكيل الرأي العام. أي أن الرأي العام يتشكل في الغالب “بالمكاثرة” لا “بالمنطق” ولذا يجدر بالعقلاء البعد عن هذا الفخ التصوري الخطير، للوصول للحق والعدل.
فلا تزنوا الأمور بعواطف ولا بعوائد لا بتقديس لموافق ولا بتدنيسٍ لمفارق.. و إن الأرض لا تقدس أحداً وإنما المرء رهين عمله فمن أحسن فله الشكر ومن أساء فله النصيحة والزجر.. وهذا هو القسطاس المستقيم: (( فلئن كان مقبولا في الحكمة لمصالح معتبرة شرعاً في بعض الأحوال عدم ذكر مساوئ الساسة والامراء على المنابر ووسائل التواصل والملأ؛ لأن ذلك يحقن ويوغر الصدور ويسبب القلاقل ويخلخل الأمن والسلم الاجتماعي،،، فإن أسوأ من ذلك التطبيل المطلق والتصفيق الدائم لهم وشرعنة أخطائهم وتبريرها لأن ذلك يشرع الظلم للرعية ويزيد المظالم ويغري الظالم بنفسه وسفهاء بطانته أن تأخذهم العزة بالإثم فلا يرعوون ولا يُصلحون ولا ينصلحون ويعيق الشفافية والعدل ويحجب الحقيقة والواقع عن القادة والمسؤلين وعن حياة الأمة ..))
هكذا علمنا ديننا وسلفنا وقيمنا وعقلنا وتاريخنا.. وهذا هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال.. فلا تكذبوا على أنفسكم فوالله لنحن أصدق محبة لكل إخواننا المسلمين وبالأخص أهل بلاد الحرمين لعظيم مسئوليتهم ولمقامهم الرفيع بين المسلمين.. إذ نصدقهم ونحبهم وننصحهم من الخونة الحاقدين وندافع عنهم ضد كل المعتدين…
-4-تنزيل وتأصيل:
ومن هنا فيمكن أن نختم بقاعدة وبيان ترجع إلى هَدْي النبي في تصفية الفكر وترقية الوعي والعمل حيث كان لشئون الأمة العامة في كلامه الأولوية في الإصلاح والمحورية في المقاصد فبدع الحكم -مَثَلاً- أخطر من بدع الأحكام ومحدثات الحُكَّام أشر محدثات الأنام ولذا فهي أول ما يفسر به حديث “من أحدث في أمرنا هذا” أي أمر الأمة العام وشئون التدبير ما هو منكر شرعاً مُضر عرفا فهو رد وصاحبه مردود وعلى الأمة أن تنكره وترده وأولى الناس برده العلماء العارفون.. وإنما فسرنا الحديث بهذا المعنى تنبيهاً على جزئية من مدلولاته تكاد تغيب عند بعض شارحيه مع أن الأمر في الكتاب والسنة يقع في الأغلب على هذا المعنى الأخص أكثر من غيره كقوله “وشاورهم في الأمر” وقوله “وأمرهم شورى بينهم” وقوله “وأولي الأمر منكم” وإن كان وروده لغيره من العبادات ولعموم الدين والشريعة واردٌ أيضاً ويحمل عليه الحديث بضوابطه ولكن المراد عندنا التنبيه على ما يُغَيَّب مما ينبغي أن يُدخل بالأولية كما نبهنا في حديث العرباض وفِي حديث من رأى منكم منكراً وفِي حديث من أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً وغيرها وأن المحدثات والمنكرات المتعلقة بتدبير شأن الأمة العام هي الأولى بالدخول وليس مجرد بدع الأفراد العمَلية أو الاجتهادات الفقهية التعبدية الفروعية كما يسوق لذلك تعميماً لبخس النص مدَّه الفسيح ولتحريف الكلم عن مواضعه وهم لا يشعرون ..
وقد شخص هذا المعنى من سيرة الإمام أحمد الرافعي في وحي القلم ولله دره إذ قال: -رحمه الله- على لسان أحمد بن مسكين: “وكنت لا أزال أعجب من صبر شيخنا أحمد بن حنبل وقد ضرب بين يدي المعتصم بالسياط حتى غشي عليه، فلم يتحول عن رأيه. فعلمت.. أنه لم يجعل من نفسه للضرب معنى الضرب، ولا عرف للصبر معنى الصبر الآدمي ! ولو هو صبَر على هذا صبْر الإنسان لجزع وتحول. ولو ضُرِب ضَرْب الإنسان لتألم وتغير؛ ولكنه وَضع في نفسه معنى ثبات السنة وبقاء الدين، وأنه هو الأمة كلها لا أحمد بن حنبل، فلو تحول لتحول الناس، ولو ابتدع لابتدعوا؛ فكان صبره صبر أمة كاملة لا صبر رجل فرد. وكان يُضرب بالسياط ونفسه فوق معنى الضرب، فلو قرضوه بالمقاريض ونشروه بالمناشير لما نالوا منه شيئاً؛ إذ لم يكن جسمه إلا ثوباً عليه، وكان الرجل هو الفكر ليس غير. هؤلاء قوم لا يرون فضائلهم فضائل، ولكنهم يرونها أمانات قد ائتمنوا عليها من الله لتبقى بهم معانيها في هذه الدنيا؛ فهم يزرعون في الأمم زرعاً بيد الله، ولا يملك الزرع غير طبيعته. وما كان المعتصم وهو يريد شيخنا على غير رأيه وعقيدته إلا كالأحمق يقول لشجرة التفاح: أثمري غير التفاح
ولما ذكر للإمام أحمد رحمه الله بعض فضلاء العلماء ممن أجاب خوفا من السيف -وليس من أدناه!!- كالدورقي وابن معين والمستملي قال أحمد: ( ﻫﺆﻻﺀ ﻟﻮ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺻﺒﺮﻭﺍ ﻭﻗﺎﻣﻮﺍ ﻟﻠﻪ؛ ﻟﻜﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻗﺪ ﺍﻧﻘﻄﻊ، ﻭﺣﺬِﺭَﻫﻢ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻳﻌﻨﻲ: ﺍﻟﻤﺄﻣﻮﻥ، ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎ ﺃﺟﺎﺑﻮﺍ ﻭﻫﻢ ﻋﻴﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪ ﺍﺟﺘﺮﺃ ﻋﻠﻰ ﻏﻴﺮِﻫﻢ.. ﻫﻢ ﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﺛﻠﻢ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺜُّﻠﻤﺔ، ﻭﺃﻓﺴﺪ ﻫﺬﺍ ﺍﻷﻣﺮ ).إهـ
قال الشيخ عبدالحميد بن باديس: “ وإذا راجعنا تاريخ المسلمين في سعادتهم وشقائهم وارتفاعهم وانحطاطهم؛ وجدنا ذلك يرتبط ارتباطا متينا بقيام العلماء بواجبهم أو قعودهم عما فرضه الله وأخذ به الميثاق عليهم“.  اهـ من [آثار ابن باديس ١١٥/٣] وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا رسول الله
والحمد لله رب العالِمين.

شاهد أيضاً

Book 2

🌾{إبداعُ الفروع}🌾

🌾{ إبداعُ الفروع }🌾 -من إبداعات فقهاء الإسلام في تدوين علوم الدين وتوارث المعرفة؛ تصنيف ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *