ذكريات الدورات ..

ذكريات الدورات ..

 

مما من الله به علي في مسيرة طلب العلم الشريف؛ أنني نشأت في البيئة المغربية الموريتانية التي تهتم بالتأصيل في مختلف الفنون الشرعية واللغوية والإنسانية وبطرق السلف المتوارثة بين المشيخة والتلمذة وبمضمون الأصول المعتمدة في كل علم؛ حفظا وشرحا اختصاراً وتوسعاً وتدرجاً ..
ثم لما من الله علي بالرحلة للمشرق في بلاد الحرمين؛ أكرمني الله بنمط آخر في العلم والدعوة تتميز به المملكة العربية السعودية بما حباها الله من رفعة مكانٍ ومكانةٍ فغنمتُ فيها -مما غنمتُ- ثلاثة خيرات حسانٍ:
1 لقاء كبراء العالم الإسلامي في مواسم الحج والعمرة من مختلف بلاد الله كمصر والشام والعراق والهند مع أعلام المملكة بين الرياض وجدة؛ كشيوخي الأجلاء ابن باز وابن العثيمين وابن جبرين وغيرهم كثير بحمد الله ..
2 ثورة المكتبات واقتناء الكتب الثمينات في عديد من الجوامع والجامعات والبيوت العلمية؛ كبيت الشيخ حماد الأنصاري رحمه الله في المدينة المنورة ورفيقه الدكتور العسيلان حفظه الله أحد كبار الآخذين عن الشيخ العلامة محمود شاكر والعلامة الطناحي.. ومنهم الشيخ الخراط محقق الدر المصون للسمين..
3 وثالثها وهو سنة الدورات العلمية المكثفة والتي تميزت فيها مدينة الرياض وكانت السباقة لها في عموم البلاد الإسلامية وساعدتها المواقع الإلكترونية الرائدة إذ ذاك كطريق الإسلام وكصيد الفوائد؛ فالنواة الأولى لها من مسجد شيخ الإسلام بحي السويدي في الرياض وبإشراف الشيخ صالح آل الشيخ -وكيل الأوقاف آنذاك 1998-1999- وبتنفيذ لجنة المسجد التي يرأسها إمامه الفاضل صديقنا الشيخ فهد الغراب وفقه الله تعالى ..
فكنت بحمد الله تعالى حاضراً في هذه المشاهد وهي تتأسس؛ ولم يسبقني بحمد الله أي مغربي؛ لأنها كانت تكون في الإجازة الصيفية ولا يكاد أحد لا يرجع للمغرب! لكنني كنت أوثر البقاء واغتنام فرصة هذه الدورات ..
ثم هم يخافون من الذهاب إلى الرياض بغير ترخيص وأنا في سبيل الله العلم كنت مغامرا بعض الشيء وأستغفر الله فلم نصب بأذى ولم نتجاوز حد الرغبة في الاستفادة لكي لا تضيع أعمارنا سدىٰ ..
ولولا ذلك لما غنمتُ لقاء أولئك الأكابر ولما حصلت تدارس كثير من المتون وبالأخص في المدرسة الحنبلية والنجدية؛ وكان من ثمار ذلك أني أول من عقد دورة مكثفة في مدينة مراكش فشرحتُ لإخواننا في جمعية الدعوة نظم شيخنا ولد عدود: “مجمل اعتقاد السلف”، في أسبوعين متواصلين حضرها معظم الدعاة والطلبة فسردوا وشرحوا وحفظوا ..
ولا أعرف بحمد الله -حسب استقرائنا- من سبقنا لهذه السنة لا في مراكش ولا في بقية مدن المغرب؛ لأن معظم الشيوخ الفضلاء يعتمدون التدريس الأسبوعي وما شابهه؛ وذلك أبرك ..
ولكن سنة الدورات المشرقية تناسب العصر وتعين الطالب الراغب غير المتفرغ وتحفز على التركيز وتيسر ختم المتون ودراسة الفنون؛ فكأنها جرعة مركزة للربط وللضبط ..
ومن أهم ما استفدته شخصيا هو مراجعة كثير من المتون في مدد وجيزة؛ فكانت كالاستذكار والتنقيح لما أخذناه في المغرب وشنقيط؛ كما أن أشهر مسجدين للدورات في بداياتها وهما مسجد شيخ الإسلام بسلطانة ومسجد علي المديني بالروضة؛ كانا يستضيفان مشاهير العلماء كالعثيمين والجبرين والغديان والغنيمان، ومِن طبقة مَن بعدهما كالخضير وصالح آل الشيخ وعبد المحسن الزامل ومحمد الفاضل وعبد الله السعد وسعد الحميد ..
ومن جملة الكتب التي راجعنا: النخبة والموقظة والبلوغ والمحرر والطحاوية وكتب ابن عبدالوهاب ..
وفِي الفقه: الزاد والدليل والتسهيل والعمدة. وكلها في الفقه الحنبلي، وختمت على مراحل ..
وكذلك في الحديث: العمدة والبلوغ والمحرر ..
وغالب من كان يحاضر في الفقه هو الشيخ العلامة ابن جبرين رحمه الله ..
وغالب من كان يحاضر في شرح الحديث هو الشيخ الفاضل الخلوق عبد المحسن الزامل وفقه الله …
وكثير من الأساتذة المشاركين من مختلف جامعات المملكة؛ كالشيخ عبد الله الفوزان وكالشيخ التويجري وكالشيخ عبد الكريم النملة؛ والذي حضرت عنده ختم كتابه الجامع في أصول الفقه قبل أن يطبع للناس ..
فكانت قرابة “أربعة أشهر” من الإجازة الصيفية تعدل “أربع سنوات” جامعية بلا مبالغة.
فرغم الضغط النفسي بطول الوقت ولأواء الاغتراب؛ غير أن حلاوة الاعتكاف لتدارس العلوم وتفهم رؤى مدارسه ومعرفة إيجابياتها وسلبياتها؛ كانت ألذ وأروع مع ما يرافق ذلك من تعرف على شباب ورجال وشيوخٍ من أهل المملكة غايةً في الديانة والنبل والكرم؛ أحبونا وأكرمونا وكانوا لنا نعم الإخوان؛ فكانوا يطفئون بمودتهم كل تعب وكل عناءٍ ..
وقد تحركت قريحتي في إحدى الدورات؛ فأنشأتُ قصيدة في حفل الدورة الختامي نالت إعجاب الحضور وكلمات الثناء من المشايخ الفضلاء والذين كان في مقدمتهم -المفتي العام عبدالعزيز آل الشيخ والشيخ صالح آل الشيخ والشيخ غانم السدلان والشيخ عبد العزيز السدحان وهو الذي نال الكلمة ومدح القصيدة وشاعرها المغربي…
وهي عند إخواننا بالصوت والصورة وقد أخذها مني بعض المراكشيين فما أرجعها ومطلعها:
لله درك يا محروسة الحصُنِ #### وَيَا جمالاً أدام القلب في وسنِ ..
ومن لطيف ما وقع لي مع الشيخ عبدالعزيز الراجحي جزاه الله خيراً -وكانت فيه شدة للاختيارات الحنبلية على مخالفيهم من بقية أهل السنة الأشعرية-؛ أنه مثل بتحية السلام التي تؤدى في البيعة لجلالة الملك الحسن الثاني -آنذاك- وأنها عبادة لا تصرف إلا لله وأنها..وأنها..وأنها..!!
فذهبت عنده بعد الدرس لأناقش مبالغاته وأن تحليله لا يصح وأنه تكفير شنيع لا يليق وأن هذا مقام سلطنة يحتاج إلى مزيد تدقيق.. فكان من لطيف ما قال لي: “لا يهم ينبغي أن تدخلوا على الملك الحسن وتناصحوه”!
فتبسمتُ في خاطري وقلت له: “أهون منه أن نأتي بلبن العصفور يا شيخ”!
ولذلك أرى أن التقريرات العقدية عند فضيلته تحتاج إلى تنبيه وتليين فإنها خارج إطار الشرع والواقع. ولعل في الطبقة الحالية من الشيوخ والدكاترة كثير من التجديد العلمي والدعوي للمدرسة النجدية هو أقرب إلى الاعتدال ووشائج أهل السنة والجماعة ..
وفي الختام؛ أؤكد بأن الدورات تكاثرت اليوم وتنوعت وتعددت ولذا نوصي المقيمين لها بالتطوير والإبداع.. ونوصي المستفيدين منها؛ بالحرص وبالتحمل.. فإنها كنز ثمين جدا جدا ومهما تعب المرء فيها ارتحالاً واستثقالاً فإن ذلك سينقضي وتبقى الغنيمة والتاريخ الجميل..
فأنا اليوم أستذكر المعارف وأستذكر الشيوخ وأستذكر الأصدقاء؛ ولم يبق من تلك المعاناة إلا السعادات والفوائد الغاليات، ونتمنى لو عاد الزمان..
فوائد فاتت شبابا كانوا يفضلون السفر لزيارة العائلات؛ ولنعم المقصد هو.. لكن هل سيدركون اليوم شيخاً ماتَ أو حالاً تبدَّل وظروفاً تغيرت؟؟

IMG_6208 copy

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-05-20 at 12.24.17

#تباريح_التراويح 3

#تباريح_التراويح 3 #سورة_النساء #ولاتتبدلو_االخبيث_بالطيب 1- ..مما أجمع عليه أهل التفسير تصريحا وتلميحا أنه: ما من ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *