🌾{إبداعُ الفروع}🌾

🌾{ إبداعُ الفروع }🌾

-من إبداعات فقهاء الإسلام في تدوين علوم الدين وتوارث المعرفة؛ تصنيف ما يسمى بين علوم الفقه الإسلامي “فقهَ الفروع” الذي توزع على المذاهب الأربعة المعتبرة وبعض توابعها.. أنه علم قائم كبناء حضاري لمجتمع الإنسان وأعني به البشرية جمعاء؛ فرغم “الهجمات” التي تتوالى لاستهداف تراثنا العظيم بالقدح والتبخيس؛ ما زال الفقه الإسلامي يقدم البراهين على أنه تُعُمُّد تنحيته استهدافا لدين الإسلام ولأمة الإسلام ولخلافة الإسلام.. وإلا فهو كما كان ما زال في رشاقته وعراقته؛ قادراً على مسايرة العصر وأحوال الناس بمنتهى الدقة والمصداقية والرسوخ والمرونة؛ مستفيداً من مساحته الفيحاء بين الثوابت والمتغيرات وبين النص والاجتهاد..
-وإنما وقع سوء الظن عن عمد حينما طُلب من “قَديمِنا معالجةُ جَديدِنا” دون استصحابِ واسطةٍ اجتهاديةٍ مواكبة.. •فدينٌ تُنَحَّىٰ مبادئه من الحياة العامة؛• وتُغيب نصوصه عن التقاضي؛ •ويحل محلها نصوص الغرب وقوانينه؛ •ثم ينشأ عن هذا الوضع المزري جيل بل أجيال غريبة عن علوم دينها.. أنَّىٰ له أن تظهر محاسنُه وأنى لتلك الأجيال أن تُدرك عظمة “فقه الإسلام” وهي مستلبة عن التصور الصحيح لأصل “دين الإسلام” !؟
-ولقد عقد كثير من الفقهاء المعاصرين أوجها من المقارنات التشريعية؛ لإبراز مدى تخلف القوانين الوضعية -رغم قوتها التأثيرية المدعومة من الشرق ومن الغرب- عن تقنينات الفقهاء رغم توقفها إلى شبه ركود؛ وتباعد أزمنتها منذ عهود !!
ويمكن هنا أن نبرز ذلك من خلال نقطة واحدة وهي :
1=استيعاب الجزئيات واختراع الفقه الافتراضي الذي يحصر الصور المُحتملة و يتخيل الأحوال الممكنة ثم يبني فقهَها على أصولٍ يَستنْبِتُ منها مئات الفروع؛ التي تخرَّج عليها آلاف المسائل !! حتى سبقوا عصورهم بشبْه المستحيل؛ فأفتوا بالتوسُّمِ والتوقع؛ فيما لم يقعْ أنْ لو وَقَع.. هذا النوع من “الاختراق الفكري لِحُجُب الغيب” لا تعرفه القوانين الوضعية ولا تستطيعه أبداً ولَم تُقدم فيه أي تجربةٍ؛ كما يشهد بذلك أرباب التقنين والدساتير؛ بل ما زالت نصوص القوانين لا تتزود إلا من مرافعات المحامين؛ وتقارير القضاة والمستشارين؛ ثم تحولها إلى نصوص شارحة للقوانين السالفة وهكذا في “تسلسلٍ إطنابي” ما زال في توالدٍ بطيءٍ مضطرب جعل القوانين أشبه ببيت له أركان ولكن بلا جدران فكل جهة منه هي مدخل ومخرج في الوقت نفسه؛ فلا أسهل مِن تهرب ولا أيسر من تزوير؛ بلا إبداع ولا حصانة ولا استشرافٍ ..
في وقت يشعر فقهاء الإسلام -مع حرصهم عَلى التجديد والاجتهاد- أنهم قد كُفُوا كثيرا من “العناء الاقتراحي” لما يستجد أو “الاصطدام الفجائي” بما يهجم من متغيراتٍ.. بسبب نفَحاتِ إبداعات “علم الفروع” التي لا تكاد تترك شاردة لا واردة إلا ونقحت وقاستْ وخرَّجت واستنبطت..
2=هذا الإبداعُ كله الذي سبق الزمان واخترق الجغرافية؛ كان صفة بارزة لعامة الفقهاء؛ رغم تباعد الديار واختلاف الأحوال وضعف الاتصال.. مما يدل على أن معين الوحي من القرآن والسنة والأصول المعتمدة منهما؛ كانت هي الرابط الأساسي لتوجيه بوصلة العقول مهما تباعدت ديارُها أو تفاوتت أنظارُها؛ وأن الثوابت لا تتناقض مع دواعي المتغيرات.. وهنا تجلت عبقرية الفقهاء في وضع علم الفروع.. رحمهم الله تعالى..
3- ولذا وجب على طالب الشريعة العناية بهذا الباب غاية العناية وأن يعلم بأن تمسكه بالكتاب والسنة لا يستقيم إلا بهذه الواسطة؛ كما أن اجتهاده وتجديده لمواكبة عصره لن يتم إلا بهذا المستند؛ •فعلمُ الفروع الفقهية والاختلافات المذهبية•واسطةُ التمسك بالكتاب•ومستندُ الاجتهاد وإدراك الصواب ..
ولا يمكن لعلمية الاجتهاد الفقهي الخماسية التي نص عليها الأصوليون وقربها الإمام الغزالي بقوله في حقيقة القولين : {{ فعلى كل ناظر في المسائل وظائف خمس:
~أولها: وضع صورة المسألة وفهمها.
~والثانية: طلب الاحتمالات فيها واستقصاؤها.
~والثالثة: حصر ما ينقدح من جملة تلك الاحتمالات، وتعليلها ما أمكن.
~والرابعة: طلب أدلة الاحتمالات.
~الخامسة: طلب الترجيح في تلك الأدلة...}}
إلا بتطوير العناية بهذا الباب الفقهي التأصيلي التنزيلي من إبداع الفقهاء في تقدير المآل واستشراف المستقبل وتجاوز فقه الواقع إلى الفتيا في المُتَوَقَّع؛ وهو ما أسْميناهُ أخذاً من الإمام أبي حامد “بوظيفة استقصاء الاحتمالات”
4-وإذا رأيت من يزهدك في نظم ابن عاشر ومختصر سيدي خليل أو في زبد ابن رسلان ومنهاج النووي أو في البدائع للكاساني والمغني لابن قدامة.. فاعلم أنه يزهدك فِي حضارة الإسلام وشريعته وعبقرية حَمَلته.. ولا يدعوك إلا إلى محض الجهل والتخلف والتبعية سواء زين دعواه الضالة بسلفيةٍ تدعي الاتباع أو بعلمانية تدعي الاختراع.. فكلاهما كاذب في دعواه ما لم يستعن بالواسطة والمستند بلا تعصبٍ ولا تهرُّب.. كما أقول من قديمٍ لطلابنا قاعدةً : “نتمذهب لنَترتب لا لنتعصَّب”
مع الإحاطة بدوائر الفقه المباشرة: {-علم الفروع على مذهب-معرفة الإجماع-قول الجمهور-المفردات-آيات الأحكام-أحاديث الأحكام-أصول الفقه-قواعده-مقاصده-التخريج-الفروق-النظائر-الشواذ-الفتاوى-النوازل-الماجريات-الأقضية-تاريخ التشريع-أسرار الحكم-طبقات الفقهاء..}فهذه نحو من عشرين علما هي أهم دوائر علم الفقه ولا يكون الفقيه فقيهاً إلا بها أصالةً وبوسائلها ومتعلَّقاتها تَبَعًا.. فوا أسفاه على زمن كثرت فيه الجرأة واستعرضت فيه الجهالات.. والله المستعان..
5-وأختم هذا التنويه بعبقرية علمائنا في فقه الفروع بمثال ذكره الشاطبي احتمالاً مستغربا فصار واقعا عالميا ذائعاً إذ قال رحمه الله: «لو كان ثم من يسير إلى فريضة الحج طيرانا في الهواء أو مشيا على الماء لم يعد مبتدعا بمشيه كذلك، لأن المقصود إنما هو التوصل إلى مكة لأداء الفرض، وقد حصل على الكمال»الاعتصام 1/253.
قلتُ: ومن المسائل المفترضة التى يحتاجها الناس ولا يجدون ملجأً إلا باعتماد الفقه الافتراضي باحتمالاته: مسألة حكم المرأة تموت، وليس معها نساء، ولا ذو محرم، ولا زوج. وحكم الرجل بموت ليس معه إلا نساء. والحكم فيهما التيمم كما ذكره مالك فى الموطأ..
وهذا وغيره من الصور ليس من قبيلِ ما أنكره بعضُ السلف من الأغلوطات والتكلف؛ بل هو وسط بين طرفين والعمدة في هذا الفقه البديع أدلة متكاثرةٌ منها:
– حديث النبي في أداء الصلاة أيام الدجال الذي يكون يومه بسنةٍ… -وبنحوه حديث أبي هريرة “رضي الله عنه” قال: جاء رجل إلى رسول الله “صلى الله عليه وسلم”، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «فلا تعطه مالك»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار».
فقد أقره النبي على التكييف والتفريع والاحتمال ..
وهذا عين الإبداع الفقهي في علم الفروع بكل أشكاله..
ولذا قال الإمام أبو حنيفة: (( إنا لنستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا ما وقع، عرفنا الدخول فيه والخروج منه )) .
ولا يفوتني هنا أن أشيد بكتابات العلامة المقاصدي الكبير الشريف أحمد الريسوني وبكتاب الدكتور اليمني فضل مراد “ثورة الفقه المعاصر”.. فلا غنى للمتفقهين عنهما في باب فقه الواقع والمتوقع تأصيلا وتنزيلا.. وهنا أوصي نفسي وإخواني في مجال “الدرس الفقهي” بالإكثار من المطارحات وافتراض العويصات؛ واتخاذ كتب الفتوى والنوازل “كالمعيار المعرب” للونشريسي مع ذيوله الشهيرة؛ و “كفتاوى علِّيش” المالكية المسمى « فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك »، للعلامة المالكي «محمد بن أحمد بن محمد عليش -الشهيد الذي قتله الاستعمار الانجليزي في مصر جرَّاء فتاواه الصادعة بالحق الأبية عن الخنوع- رحمه الله »؛ وكالفتاوى الفقهية لابن حجر الهيتمي الشافعي وكالفتاوى الكبرى لابن تيمية الحنبلي نفع المفتي و السائل بجمع متفرقات المسائل للشيخ أبي الحسنات محمد عبد الحي اللكنوى الهندي الحنفي وغيرُها كثير بحمد الله.. فتُلقىٰ على الطلاب منها أسئلةّ للتدريب ثم التقييم بجواب المؤلِّف ومناقشته.. ويجبُ الاستعانةُ بمثلها من البحوث المتخصصة وبِكُتب الفتاوى المعاصرة التي تُحلِّل وتدلِّل وتُطوِّل؛ كفتاوى المجامع العلمية “كالمجمع الفقهي”.. وليُتجنبْ منها تلك التي توجز الجواب كفتاوى اللجان الإرشادية “كاللجنة الدائمة” في السعودية؛ فهذه لا تصلح لتدريب الفقيه؛ لأنها مقصورة في الغالب على التبصير العام بتقريب أحكام الدين بحسب البيئة الخاصة بحنابلة أهل نجد وما شابه.. والله تعالى أعلى وأعلم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ..
🌴محبكم/عادل رفوش/المشرف العام لمؤسسة ابن تاشفين للدراسات والأبحاث والإبداع/مراكش🌴

Book 1       Book 2

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-02-09 at 17.11.24

🌾{..صِناعَةُ المُحاوِر..}🌾

🌾{ ..صِناعَةُ المُحاوِر.. }🌾   🔹.. لا أدري كيف يقرأ قارئ هذه الآية العظيمة {{إِنَّ ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *