🌾{أسرار الحروف}🌾(1)

🌾{أسرار الحروف}🌾(1)

-ومنها أولُها وسنام دوحتها حرف الهمزة:
حرف الهمزة في اللغة العربية له شأن كبير؛ ودورانه الكثير في لسانها شعراً ونثراً يؤكد أهمية الاعتناء بمواقعه؛ ولقد أولاه علماؤنا الأجلاء في معاجم اللغة وفِي كتب المعاني وفِي أسفار التفاسير عناية بالغة لما ينطوي عليه وضعه من أسرار كلام الله تعالى إفراداً وتركيباً..
-ويكفيك من الإلماعات: -أنه في “الوصل” أول القرآن تنزيلا “اقرأ”؛ وأول القرآن ترتيلا “الحمد.. -وأنه في “القطع” أول الأسرار النورانية “ألف لام ميم”..
ومبحث الهمز عند أرباب حروف المعاني أخذ حيزاً كبيرا من التقسيم والتمثيل والتنويع والتعداد في كل مراجع حروف المعاني كمغني اللبيب وما قبله وما بعده..
-ولكي نقرب بعض الصور الدالة على ركنية مباحث الهمز في الدرس التفسيري أمثل بأولها وقوعا في القرآنوكيف تنوعت مسالك العلماء في ماهيتها وماذا بنوا من المعاني جرَّاءَ ذلك ..
وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} قال في الجلالين: {إن الذين كفروا} كأبي جهل وأبي لهب ونحوهما {سواء عليهم أأنذرتهم} بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه {أم لم تنذرهم لا يؤمنون} لعلم الله منهم ذلك فلا تطمع في إيمانهم، والإنذار إعلام مع تخويف.))إهـ
-وقد مهد الإمام القرطبي للمعنى بحمله الكفر في صدر الآية على معناه الأصلي فقال رحمه الله: (( قوله تعالى {إن الذين كفروا} لما ذكر المؤمنين وأحوالهم ذكر الكافرين ومآلهم. والكفر ضد الإيمان وهو المراد في الآية. وقد يكون بمعنى جحود النعمة والإحسان…))
-ثم نزع إلى تشريح مدلولِ الهمزةِ هنا مصدِّرا الكلامَ عليها بالكلام عن معنى “سواءٌ” وأنه بمعنى “التعادل بين المتقابلين” فقال: ((قوله تعالى {سواء عليهم} معناه معتدل عندهم الإنذار وتركه، أي سواء عليهم هذا)).
-وعليه بنى أن معنى الهمز هنا هو للتسوية فقال: ((وجيء بالاستفهام من أجل التسوية، ومثله قوله تعالى {سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين} [الشعراء: 136 ]. وقال الشاعر: وليل يقول الناس من ظلماته * سواء صحيحات العيون وعورها )) ثم وضحه رحمه الله بقوله:(( قوله تعالى {أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} الإنذار الإبلاغ والإعلام، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يتسع زمانه للاحتراز، فإن لم يتسع زمانه للاحتراز كان إشعارا ولم يكن إنذارا، قال الشاعر: أنذرت عَمرا وهو في مهَل * قبل الصباح فقد عصى عمرو وتناذر بنو فلان هذا الأمر إذا خوفه بعضهم بعضا)) ثم استمر كلامُه رحمه الله في معنى الكفار هنا وعرض القولين المشهورين..
وقد اقتصرت على هذين النصين لعرض المعنى الإجمالي وفاء للآية الكريمة فقد اختصر المراد الجلالين ووسع مراميه القرطبي رحمهم الله أجمعين ..
-وقد تلاحظ أخي القارئ الكريم أن سر المعنى في الآية يدور على أمرين: 1-أصولي وهو متعلق بالعموم ونبحثه بحول الله في موضع آخر 2-والثاني لغوي وهو المتعلق بحرف الهمز في “أأنذرتهم” هل هو للاستفهام أو للتسوية وما مدلول الآية على كل واحد منهما ..
لقد تنوعت ترجيحات أئمتنا في هذا السياق فمنهم من حملها على الاستفهام ومنهم من حملها على التسوية..
-فكونها للاستفهام أي الاستعلام عن المطلوب وهو هنا غير مرادِ الظاهرِ لأن الرسول متحقق إبلاغه وإنذاره.. وعليه فالأولى هو جعل الهمزة للتسوية لا للاستفهام وهو ما رجحه ابن عطية وأغلب المفسرين ..
-وقد فرق العلماء بينهما من حيث اللفظ: -بأنها التي تقع بعد “سواء” و “لا أبالي” وتصرفاتهما.. فتكون الهمزة هنا داخلةً في الإخبار لا في الإنشاء وأنها فرغت من أصل معناها وهو الاستفهام كما فرغت حروف النداء من النداء في مقام التخصيص كقولهم “اللهم اغفر لنا أيتها العصابة” فليس قولك “سواء علي أبشرا كلمت أم زيدا” وقولك “أزيد عندك أم عمرو” كما مثل سيبويه رحمه الله في الكتاب 3/170.. وقد أخذ منه الفارسي في المسائل المنثورة ص195 قاعدة فقال: “فكل استفهام تسويةً وليس كل تسوية استفهاماً” قال الزمخشري في الكشاف1/48:”الهمزة و أَمْ مجردتان لمعنى الاستفهام وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأساً…كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء“..
-ولست أريد هنا الإطالة في المعاني وذيولها ولكني أردت التنبيه على أهمية الإحاطة بحروف المعاني؛ لمن يتدارس فقه الكلام الرباني؛ واستنباط فيه من المتشابه والمثاني؛ ومن أهم تلك الحروف العجيبة الأسرار هو حرف الهمزة في اللغة وفِي القرآن؛ فكلما تعمقت فيه أدركت من أسرار التنزيل العجب العجاب؛ ولا تكاد تمر بسياق عربي أو قرآني إلا و وجدت للهمز بشموخه ورسوخه مُثولاً؛ فيأتيك مزيداً وأصيلاً؛ ويأتيك في كل أنواع الكلمة دليلاً؛ ويأتيك كفيلاً ووكيلاً وبديلاً؛ ويأتيك مضارعاً وتأنيثاً وتفضيلا.. ويأتيك سماعيا وقياسيا تعليلا؛ ويأتيك محققا وساقطا ومسهلا تسهيلاً؛ وأما إملاءاته فقد اتخذ الكرسي والفضاء وظلَّا ظليلا.. فلله ما أعظمه من حرفٍ لم أَجِد له مثيلاً؛ فاستحق عند الفحول تصديراً وتبجيلا؛ ومن أعرض عنه إعراضاً جهولاً فيوشكُ أن يقول يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ويُؤخذ من زلقات الفهوم أخذاً وبيلاً.. وكفى بالله وكيلاً ..
فاعتنوا به معاشر الفضلاء من طلبة العلم النجباء.. ومن أحسن من لخص المقالات حوله العلامة ابن هشام في مغني اللبيب.. وكذا فاتحة تاج العروس الزبيدي رحمهم الله أجمعين وممن خصص غصونَه وجمَع فنونَه كتابٌ معاصرٌ بعنوان: “معجم الهمزة”..
والله تعالى أعلم .. والحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ..
🌴محبكم/عادل رفوش/المشرف العام لمؤسسة ابن تاشفين🌴

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *