🌾{..صِناعَةُ المُحاوِر..}🌾

🌾{ ..صِناعَةُ المُحاوِر.. }🌾

 

🔹.. لا أدري كيف يقرأ قارئ هذه الآية العظيمة {{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}}
ثم هو يشاكس في فحوى “وجوه الإعجاز” المقرر أو هو يجادل في جدوى “علم الكلام” المحرر أو هو يأبى وجوب إعمال الفكر لاستخراج النتائج الإيمانية بصحيح النظر العقلي الذي يحمي الوحيَ النقلي ويحميه الوحيُ النقلي..
فلا إشكال إلا عند الاختلال فعليكم بالاعتدال..
🔸فيا من تصدى للكلام في “النظريات الحديثة”؛ وَيَا من يرى في “المجالات العصرية” مسرحاً للتدافع؛ وَيَا من سيناقش “العلمانية” أو يتهم بها المدرسة المقاصدية؛ أو يلمز بها الحركة الإسلامية؛ أو سيناظر “الميليشيات الإلحادية”.. لا توغل إلا بعد أن تتسلح بعلم الكلام السني خاصة؛ ولا حرج إن توغلت في عموم مدارسه ومذاهبه؛ فإنك ستجد تلك التهافتات الحاضرة قد سبق لأئمتنا المتكلمين كابن رشد والرازي وابن تيمية وابن عرفة و التفتازاني وغيرهم أن قد تعرضوا لها؛ بل ولما هو أغرب من نظرياتِ “كَانْتْ”و”هِيكَلْ”و”نِيتْشِهْ” وغيرهم من فلاسفة العصر متديِّنيه وملاحدته مسلميه ومسيحييه!!؛ الذين لم نر لهم من إبداع يذكر حتى في ضلالهم؛ لأنني على يقين أنه قد سبق في تاريخ الأمة من ذلك العجبُ العجاب ورده العلماء بما يحير الألباب؛ لأنهم جمعوا من الآلات والتوفيق ما قل مثله عند غيرهم ممن جاء في أزمنتنا؛ فالفلسفةُ التجريبية مثلاً عرفت عند علمائنا بشبيه طائفة المهندسين؛ والسوفسطائيةُ بمختلف مذاهبها العبثية سبقت عند علمائنا في الرد على اللاأدرية والعندية والعنادية؛ وأصحابُ نظرية النسبية سبق لهم ذكر عند علمائنا في الردود على طائفة المصوبة والسمنية؛ وتفسيرُ الوجود بالمدركات قول ذكره ابن عرفة في مختصره قبل أهل المدارس المثالية من ذاتية وموضوعية ونقدية وقد رد العلماء السنة الأشاعرة وبعض الحنابلة وغيرُهم على أغلب شبهاتهم في ردودهم على طوائف المجسمة؛ وأعداءُ العقل الصريح من الظاهرية الجوفاء سبق العلماء لرد شبهاتهم في تهميش العقل؛ قبل أن يبتدع الْكُفْرَ به “نيتشه” في كتابيه “أفول الأصنام” و “نقض العقل المحض” حيث ادعى أن العقل صنم يجب تحطيمه!! وهذا النوع من الجمود نجده عند طوائف من المسلمين لا تتفق مع هؤلاء في فلسفاتهم؛ ولكن الخطورة تكمن في استخلاص عين النتائج والتصرفات غالباً.. وهذا أخطر وجوه ما أسميه “الانتماء المذهبي الخفي” إن صح التعبير..
🔹بل لم يضعف الانتماء لدين الإسلام ولا تهاوى الاعتصام الحقيقي بالكتاب والسنة؛ إلا بعد أن غلب على العقول التقليد الأجوف والجمود الأصلب وترك الإبداع بشبهات التحذير من الابتداع فتعطلت قُوىٰ الأفكار حتى ظهر مفكرون لا فِكْرَ لهم.. وادعى الاعتصام بالوحي أناسٌ لا عاصِمَ لهم.. وفي هذا المقام يقول شيخ الإسلام مصطفى صبري رحمه الله: “المسلم له قوتان: قوة في دينه وقوة في عقله؛ وبعد اقتناع المسلمين المتعلمين بعقيدة الإسلام اقتناعاً يتفق مع العقل والعلم الصحيحين؛ يكونون مسلمين حقيقيين ويسهل لهم الحصول على ما يحتاجون إليه أيضاً من العمل بأحكام الشريعة الإسلامية. إذ العمل مبني على العقيدة التي لا يتعب بها الإنسان أصلاً بعد استيقانها لعقله وفهمه؛ بل يكون له منها قوة ينشرح بها صدره ويستعين بها على القيام بالناحية العملية التي ليست بسهلة في حد ذاتها سهولة الناحية الاعتقادية لانطوائها على تكاليف وتضحيات.
وبانضمام العمل إلى العقيدة يحصل الكمال في الإسلام؛ وينتفع المسلم العامل بدينه في الدنيا قبل أن ينتفع به في الآخرة. والمسلمون في زماننا يتلاومون فيما بينهم بالتقصير في العمل عازِينَ إليه تأخرهم المشهود مع أن تقصيرهم في العقيدة التي لا تقبل التقصير أصلاً أشد من تقصيرهم في العمل؛ وهو داؤهم الذي أصيب به الكثرة الساحقة من مثقفيهم؛ فعاقهم عن الصلاة والصيام وعاق حكومتهم عن العمل بقانون الإسلام… فهم خارجون على الإسلام نفسه من ناحية العقيدة أي ناحية الإيمان به الذي هو أساس العمل بأحكامه؛ ولهذا سهل عليهم التغيير في أحكامه العملية. ولهذا عُنيت في كتابي هذا بالناحية الاعتقادية وصرفت كل جهدي في تثبيتها”إهـ
🔸والغرض عندي من هذه “المقالة” الموجزة التنبيه بأن تعاطي بعض علمائنا ودعاتنا وباحثينا وشبابنا -وبالأخص من المدرسة السلفية- لهذه المواضيع المعاصرة؛ لا يخلو من مجازفات بحثية وتناقضات موضوعية؛ حينما لا يتسلح المتدرع فيه بالتراث الإسلامي عامة وخصوصاً منه علم الأصلين وفقه الأصلين.. فالأولان أصلا الكتاب والسنة وهذا أمر واضح عموما لا يجادل فيه إلا مخبول إذ كيف سيدافع عمَّا لم يشربه كما ينبغي وكما يجب وقد اتفق العقلاء على أن من شروط الإقناعِ الاقتناعَ؛ والآخَران فقهُ الكلام وفقه الأصول وبالأخص علم الكلام الذي لم يذم السلف منه إلا جوانب معينة لاعتبارات مرحلية ويؤكد هذا المعنى ما ذكره الإمام السبكي بقوله: “لهذا كان الشافعي رضي الله عنه ينهى عن الاشتغال بعلم الكلام ويأمر بالفقه فهو طريق السلام. ولو بقي الناس على ما كانوا عليه زمن الصحابة كان الأولى للعلماء تجنب النظر في علم الكلام لكن حدثت بدعٌ أوجبت للعلماء النظر فيه لمقاومة المبتدعة ودفع شبههم حذراً من أن تزيغ بها قلوب المهتدين” إهـ
🔹بل لقد نقل الإجماع على هذا التوفيق بين ما نقل عن السلف من ذم وما نقل عنهم من مدح لاعتماد هذا العلم العظيم الإمام بهاء الدين الإخميمي إذ قال: “وأما ذم الشافعي وغيره الكلام فمرادهم بعلم الكلام بإجماع المسلمين هو الكلام النافي عن الله ما علم ثبوته بكتابه عز وجل أو بسنة نبيه –صلى الله عليه وسلم– أو بإجماع أمته أو بدليل عقلي تنتهي مقدماته إلى الضروريات. أو أثبت لله ما لم يعلم بواحد من الطرق الأربعة“إهـ
ويقول ابن حجر الهيتمي: “حمل الذم البليغ والزجر الأكيد وما يؤدي الخوض فيه إلى زيغ أو ارتكاب شبهة لا مخلص له فيها وغير ذلك من المفاسد التي كانت من أهله في زمان أولئك الأئمة؛ وأما بعدهم فقد تميز أهل السنة من أهل البدع وحرروا كتبهم فيه واجتهدوا في قمع البدع فلا مساغ في ذمه بل هو أكبر فروض الكفايات” وقال في موضع آخر: “الذي صرّح به أئمتنا أنه ‏يجب ‏على كل أحد وجوباً عينيّاً أن يعرف صحيح الاعتقاد من فاسده، ولا يشترط فيه علمه بقوانين ‏أهل ‏الكلام لأن المدار على الاعتقاد الجازم ولو بالتقليد على الأصح؛ وأما تعليم الحجج الكلامية ‏والقيام بها ‏للرد على المخالفين فهو فرض كفاية، اللهم إلا إن وقعت حادثة وتوقف دفع المخالف فيها ‏على تعلم ما ‏يتعلق بها من علم الكلام أو ءالاته فيجب عيناً على من تأهل لذلك تعلمه للرد على ‏المخالفين.”
وقال النووي في شرح صحيح مسلم رحمه الله: “قال العلماء: البدعة خمسة أقسام واجبة ‏ومندوبة ‏ومحرمة ومكروهة ومباحة، فمن الواجبة نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين ‏وشبه ذلك.”
وقال شمس الدين الرملي الشافعي: “التوغل في علم الكلام بحيث ‏‏يتمكن من إقامة الأدلة وإزالة الشبه فرض كفاية على جميع المكلفين الذين يمكن كلاًّ منهم فعله، فكل ‏‏منهم مخاطب بفعله لكن إذا فعله البعض سقط الحرج عن الباقين، فإن امتنع جميعهم من فعله أثم كل ‏من ‏لا عذر له ممن علم ذلك وأمكنه القيام به“إهـ
وقال الإمام الحافظ البيهقي موضحا هذا التوجيه: “..ولم يَنْهَوا ‏-أي السلف- عن علم الكلام لأنَّ عينه مذموم أو غير مفيد‎;‎‏ وكيف يكون العلم الذي ‏يُتوصل به إلى معرفة الله عزَّ وجلَّ ‏وعلم صفاته ومعرفة رسله والفرق بين النبيّ الصادق وبين المُتَنَبّىء ‏الكاذب عليه مذموماً أو مرغوباً عنه؟ ‏ولكنهم لإشفاقهم على الضُّعفاء لئلا يبلغوا ما يريدون منه ‏فيضِلُّوا نَهَوْا عن الاشتغال به. ثم بسط الحليمي ‏رحمه الله تعالى الكلام في التحريض على تعلُّمه إعداداً ‏لأعداء الله عزّ وجل. ‏وقال غيره في نهيهم عن ذلك إنما هو لأن السَّلف من أهل السُّنَّة والجماعة كانوا يكتفون بمعجزات ‏الرسل ‏صلوات الله عليهم على الوجه الذي بيَّنا، وإنما يشتغِلُ في زمانهم بعلم الكلام أهلُ الأهواء، ‏فكانوا يَنْهَون ‏عن الاشتغال بكلام أهل الأهواء. ثم إنَّ أهل الأهواء كانوا يَدَّعون على أهل السُّنَّة أنَّ ‏مذاهبهم في ‏الأصول تخالف المعقول، فقيَّض الله تعالى جماعة منهم للاشتغال بالنظر والاستدلال حتى ‏تَبحروا فيه، وبينوا ‏بالدلائل النيرة والحجج الباهرة أن مذاهب أهل السنَّة توافق المعقول كما هي ‏موافقة لظاهر الكتاب ‏والسنّة، إلا أنَّ الإيجاب يكون بالكتاب والسنّة فيما يجوز في العقل أن يكون ‏غير واجب دون العقل، وقد ‏كان من السلف من يشرع في علم الكلام ويَرُدّ به على أهل الأهواء” ‏انتهى كلام الحافظ البيهقي.‏
🔸قلتُ: فهذا الذم يجب صرفه لجانب جزئي كما صرف المنقول عنهم في ذم الحديث والرأي والنحو والاستحسان ونحو ذلك مما لا يراد بإطلاقٍ قطعاً.. وإلا فهو بهذا الاتزان علم التأسيس لليقين وعلم الدرء للشبهات وعلم المناظرة للدعوة الإسلامية؛ وهذا هو الذي يقع فيه الخلل مع أنه هو الوسيلة للدفاع عن المقاصد وقد سُوِّقَ عند كثيرين إطلاق مفهوم الذم وهجران المباحث العقلية حتى وجدنا عياذاً بالله من يزيلها من كتب الأصول! بدعوى عدم الحاجة إليها أو أنها ضرر محض أو أنها تجر إلى فاسد الاعتقاد؛ وهذه في أغلبها دعاوى باطلة ضُخِّمت فيها جوانب التحذير على جوانب التقرير فنشأ عندنا جيلٌ من طلبة العلم لا يكاد يقيم للعقلانية وزناً؛ ولا يفهم في مدارسها معنىًٰ فضَعُفَ خِطابه وكثرت عليه الإيرادات فلا يستطيع دفعاً وهو يظن أنه يحسن بذلك صنعاً.. مع أن أصول هذا الباب قد قرر العلماء وجودها منذ العهد النبوي وأنها ثابتة في نصوص القرآن العظيم؛ وأن علم الصحابة المنهجي بها كعلمهم بالجانب الفقهي ولهذا نص الإمام التفتازاني على أن علم الصحابة بالعقائد من علم الكلام حيث قال: “ودخل علم علماء الصحابة بذلك فإنه كلام وإن لم يكن سمي في ذلك الزمان بهذا الاسم كما أن علمهم بالعمليات فقه وإن لم يكن هذا التدوين والترتيب” .
وَقَال الغزالي: “ولم يكن شيء منه -علم الكلام- مألوفاً في العصر الأول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع ولكن تغير الآن حكمه إذ حدثت البدعة الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة ونجت جماعة لفقهوا لها شبهاً ورتبوا فيها كلاماً مؤلفاً فصار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذوناً فيه بل صار من فروض الكفايات وهو القدر الذي يقابل به المبتدع إذا قصد الدعوة إلى البدعة. وقال أيضا: فإذن علم الكلام صار من جملة الصناعات الواجبة على الكفاية حراسة لقلوب العوام عن تخيلات المبتدعة.”
ثم قال التفتازاني رحمه الله: “وبالجملة هو أشرف العلوم لكونه أساس الأحكام الشرعية ورئيس العلوم الدينية، وكون معلوماته العقائد الإسلامية؛ وغايته الفوز بالسعادات الدينية والدنيوية وبراهينه الحجج القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية.”
♦والخلاصة: أنه لا يمكن لخائض بحار عالم الأفكار والفلسفات والأيديولوجيات؛ أن يدخلها باسم الإسلام والدفاع عنه والرد على المذاهب المعاصرة والنظريات العقلية حول المعرفة وقصايا الوجود ومبادئ القِيم ونحو ذلك من النوازع الفكرية التي تؤثر في عموم البشرية؛ وهو جاهلٌ بما أصله علماء الإسلام من علمٍ مختص في نقض الملل والنحل ونقدها تأصيلا -وهو علم الكلام الذي يدافع؛ وليس علم الإيمان الذي يُقَرِّر؛ وبالأخص في مدرسة أهل السنة الأشاعرة ومن سرى في ركبهم الكلامي من هذا الوجه المعرفي كابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل- فهو -أعني شيخ الإسلام-متكلِّمٌ بامتياز؛ لا يجادل في ذلك من أبصر و مَازَ -ويشهد لذلك ما كتبه عنه ثلة من المفكرين المعاصرين كطه عبد الرحمن في “تجديد المنهج في تقويم التراث” وأبو يعرب المرزوقي في كتابه “إصلاح العقل في الفلسفة العربية” وَعَبد الحكيم أجهر في كتابه “ابن تيمية واستئناف القول الفلسفي”-؛ وكابن رشد وكابن خلدون وكالغزالي وكالوزير اليمني وكعموم شراح المتون الكلامية والمقدمات الإلهية ونحوها- وليس بالاقتصار على كتب التأريخ لها تمثيلاً كالفِرق للبغدادي فمثل هذا لا يُجْزي..
-1- بحيث إذا سمع طالبُ العلم -وبالأخص من منتسبي المدرسة السلفية- تقديمَ العقل على النقل في مقدماتِ بناء الاستدلال؛ لم يحمله على وجه المصادمة بين الوحي والرأي؛ بل على “أساسٍ معرفِيٍّ” اتفق عليه كل العقلاء؛ ويقضي بأن الخبر من حيث هو لا يفيد شيئا إلا بقيام العقل والحس أمامه؛ وأن العقل من هذا الوجه وَحْيٌ داخلي وشرط تكليفي وواجب إقناعي؛ لا يُستنكرُ اعتمادُه ولا تقديمه؛ كما لا يستشكل الفقهاء تقديم الاستدلال بالإجماع على الاستدلال بالقرآن لاعتبارات حِجاجيةٍ منها أن الإجماع المحقق قطعي وأما دلالات القرآن فيدخلها الظن بسبب الإجمال ونحوه..
فالتقسيمات العقلية التي يعمل بها أهل السنة في عرض أصول الدين وأصول الفقه هي نوع من البناء المتين في دائرة المسَلَّمات لتحقيق المحْكمات واليقينيات وهذا المُعطى لا يمكن للخبر أن يسبق فيه العقل بإجماع الدنيا من أهل الإسلام ومن كل العقلاء.. وقد أحسن ابن تيمية في كتابه العظيم “الدرء” إذ قال كلمةً ذهبيةً في معرض ذكر خطوط اعتبار أركان المعرفة الثلاثة من حِس وعقلٍ وخبرٍ ثم قال “فالخبر.. أعم وأشمل؛ ولكن “الحس والعقل” أتم وأكمل ”
بل إن من اللطيف ذِكره هنا عن ابن تيمية هو ما حظي به الفلاسفة من إنصافه في مواضع رغم حدته الغالبة فقد أثنى على مقاصد كثير منهم في توخي الحق فقال: “لهم عقول عرفوا بها ذلك وهم قد يقصدون الحق لا يظهر عليهم العناد لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطإ” (الرد على المنطقيين ص186) بل إنه يشهد على نقاوة عقولهم ويرجو لهم سعادة الدار الآخرة إذ قال: “اعلم أن بيان ما في كلامهم من الباطل والنقض؛ لا يستلزم كونهم أشقياء في الآخرة إلا إذا بعثَ الله إليهم رسولاً فلم يتبعوه.. والقوم -يقصد الفلاسفة- لولا الأنبياء لكانوا أعقلَ من غيرهم..”(ص 189)
ومع ذلك وجدنا بعض إخواننا من أهل السنة الحنابلة وممن يقتدون بابن تيمية ويجلون يخالفون إنصافه العظيم هذا؛ إذ قد طرقوا هذه المواضيع في رد الشبهات ومناقشة الليبراليين والرد على الملحدين وتعليم طرق الحوار؛ واستفادوا من أسس إخوانهم من أهل السنة الأشاعرة من أول مسائل إثبات الصانع والكلام حول الوجود والحدوث إلى مسائل الأدلة وترتيبها وتعارضها ونحو ذلك؛ ثم هم لا يكادون يصرحون بأصل تلك النقول بل ربما مثلوا بهم في الضلالات وألحقوهم بأهل الشبهات عياذاً بالله.. فهذا موطن على إخواننا الباحثين في تلك المراكز المباركة التحرّزُ فيه؛ حتى لا نهدم حُصونَنا ونحن نظن أنفسنا نهدم بيوت الآخرين..
-2-ومثل ذلك المثال مثال ما لو سمع طالب العلم بعض علماء أهل السنة يقولون “الحِسُّ لا يُخطئ” و “خبر الواحد لا يفيد اليقين” وأن “الإلٰهيات تبنى على القطعيات” ونحوها من العبارات لم يفهمها فهمًا قدحيا بحيث لا يدرك عمقها ولا أبعادها التي تلخص فلسفة العقل الإسلامي.. ورحم الله الإمام الشافعي فإنه لما ناظر حفصاً الفرد في “خلق القرآن” قال له:
“قد أحكمنا ذلك قبل هذا” أي الكلام قبل الفقه؛ أي فلن تستطيع غلبتنا لا بأثر ولا بنظر..
وبهذا سيكتشف الناظر أنه أمام “مناهج فكرية” ضخمة جدا؛ أدهشت البشرية بسبقها حتى في ميادين الشبهات والأفكار الهدامة فضلا عن الردود عليها وانتقادها..
وسيرتاح بسكينةٍ لما آتاه الله فيها من دلائل ثبات ويقين. ولذلك نص علماء الإسلام على أنه لو لم يكن لهذا العلم الشريف الذي سبق فيه علماء السنة سبْقاً بعيداً دقيقاً إلا فائدتان وقد أجملهما الإمام الغزالي في الإحياء بقوله: “واما الكلام فمقصوده حماية المعتقدات التي نقلها اهل ‏السنة ‏من السلف الصالح لا غير“. 
وتوضيحهما من وجهين: 1-فائدة في البناء الفكري المتين: “لأن الاطلاع على علم الكلام، والتعرّف إلى أدلّته، تعطي الإنسان -لا سيما- المسلم فهماً إيمانيّاً عميقاً، وترتقي بمعتقداته -من أن تكون بسيطةً ساذجةً، أو يتخلّلها بعض الشبهات الطارئة- إلى مستوى الفكر والوعي والإدراك الصحيح، ليصبح ملمّاً بالأدلّة القويّة، والحجج البالغة حول إثبات الصانع والتوحيد وصفات الله والنبوّة والصحابة والتشريع والمعاد وسائر المسائل الاعتقاديّة.. وبالخصوص علم معرفة الله المثيب والمجازي لعباده على فعل الخيرات وارتكاب السيّئات “وكيفيّة آثاره وأفعاله وتكاليفه على الإجمال. وذلك هو سبب السعادة الأبديّة، والخلاص من الشقاء الأبديّ، ولا غاية أهمّ من هذه الغاية” (انظر غاية المرام من علم الكلام 1/13)
2-وفائدة ثانية في بناء التحصين: 
”فلا يخلو عصرٌ من وجود أشخاصٍ يلقي الشيطان في أفئدتهم، وينفث على ألسنتهم، فيوجّهون الشبهات العويصة حول الدين. ولا تكون هذه الشبهات إلّا فتنةً للذين في قلوبهم مرضٌ، وللقاسية قلوبهم. وأمّا الذين آمنوا فيعلمون الحقّ ويدافعون عنه بردّ هذه الشبهات ونسخ هذه الاعتراضات، حتّى تستحكم آيات الله وحججه. وقد كان علم الكلام أهمّ وأبرز العلوم الإسلاميّة التي أخذت على عاتقها ومسؤوليّتها الدفاع عن الدين، وردّ الشبهات عنه.”قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله “والأصل في ذلك: -أن إزالة الشكوك في أصول العقائد واجبةٌ؛ -واعتوار الشك غير مستحيل ثم الدعوة إلى الحق بالبرهان مهمة في الدين، -ولا يمكن ذلك إلا بهذا العلم؛ فلا بد وأن يكون هناك قائمون على هذا العلم، يقاومون دعاة المبتدعة، ويستميلون المائل عن الحق، ويصفُّون قلوب أهل السنة عن عوارض الشبهة”إهـ
وهذا ما قصده الإمام ابن تيمية رحمه الله إذ قال: “كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرةً تقطع دابرهم؛ لم يكن أعطى الإسلام حقَّه ولا وَفَّىٰ بموجب العلم والإيمان؛ ولا حصل بكلامه شِفَاء الصدور وطمأنينة النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين” وقال:”..وكل من كان أعرفَ بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق” (انظر درء التعارض 1/357 و 5/285 )
وأختم بما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري وأجاد: “لا يجحد علم ‏الكلام إلا ‏أحد رجلين جاهل رَكَنَ إلى التقليد وشقَّ عليه سلوك طرق أهل التحصيل وخلا عن طرق ‏أهل النظر ‏والناس أعداء ما جهلوا فلما انتهى عن التحقق بهذا العلم نهى الناس ليضل كما ضل، أو ‏رجل يعتقد ‏مذاهب فاسدة فينطوي على بدع خفية يلبس على الناس عوار مذهبه ويعمى عليهم ‏فضائح عقيدته ويعلم ‏أن أهل التحصيل من أهل النظر هم الذين يهتكون الستر عن بدعه ويظهرون ‏للناس قبح مقالاته، ‏والقلاب لا يحب من يميز النقود والخلل فيما في يده من النقود الفاسدة كالصراف ‏ذي التمييز والبصيرة ‏وقد قال تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)”.‏
والله تعالى أعلى وأعلم ..
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ..
🌴محبكم / عادل رفوش / المشرف العام لمؤسسة ابن تاشفين🌴

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *