إمامُ المحققين في مراكش l الحلقة الثالثة

🌴{ إمامُ المحققين في مراكش.. }🌴
🌱 الحلقة الثالثة🌱

لا يُمْكِنُ لأحد تعرّف على الشيخ بشار عوّاد أمير المحققين المعاصرين كما لقبه غير واحدٍ من المهتمين والمعتنين وتُوِّج ذلك اللقب المستحق بحصوله على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية لهذا المعنى؛ إِلَّا أن يشهد له بعدة خصال من خصال فحول العلماء أذكر منها في هذا السياق خصلةً واحدةً ما زالت فارقة في سير النبلاء على مر التاريخ وهي: -سعة رحلته مع العلم والكتاب؛ وتنوع مشيخته واتساع علاقاته الفكرية؛ ولا أعرف أحدا من العلماء قد يفوقه في هذه الجهة إلا عَلَمان شهيران كلاهما جليل عند الشيخ ويحفظ لهما الكثير من الود والثناء العطر: 1-شيخنا ومجيزنا الإمام يوسف القرضاوي 2-وشيخنا ومجيزنا الإمام الحسن ولد الددو حفظهم الله تعالى أجمعين ففي حق هؤلاء الأعلام الثلاثة ينقلب السؤال عن ما هي البلاد التي زاروها إلى السؤال عن البلاد التي لم يزوروها ولم يحاضروا فيها ويلاقوا علماءها وخيارها..
ويكفي العارف بسير المعاصرين كأمارة على علو كعب شيخنا في باب الرحلات العلمية أن يعلم شدة الصداقة بين الشيخ وبين أخيه ورفيقه وشيخه العلامة المحقق الشهير عبد الفتاح ابو غدة وأنهما توافقَا سفراً في العلم وترافقا لملاقاة الشيوخ.. ولما فاتحته في هذا الجانب مما يلي المغرب فاجأني بمتين صلاته لكبراء أعلام المغرب الكبير من طرابلس إلى تلمسان إلى القيروان إلى فاس بل وإلى شنقيط وكثبانها ولا أبالغ حينما أشهد بأنه لم يكد يفته أحد وكان شديد الثناء والتقدير على معظمهم ولا يكاد يذكر أمواتهم إلا اغرورقت عيناه بدموع المحبة والخشوع والاشتياق..
وكنت إذا أغربت عليه في اسم عَلَمٍ اختصارا ذكر هو الاسم الكامل وسنة التعرف عليه وسببها وبعض مجرياتها في استحضار عجيب كأنه يعيش الحدث طريا ويحكيه مَليا.. ومما جرى ذكره وطيُد علاقته بشيخنا العلامة المنوني رحمه الله فذكرت له دقته المتناهية في الاعتناء بالكتب وفضله الكبير في التعريف بالمخطوط المغربي وإبراز عطاء أعلام المغرب المشهورين والمغمورين؛ ثم ضربتُ على وجه المذاكرة لشيخنا مثالا من لطيف تحقيقات المنوني الدقيقة بمقالة له في ص197 من مجلة المناهل المغربية العريقة -وتعجب الشيخ أن عندي في خزانتي العامرية نسخةً من أعدادها بحمد الله تعالى- بالعدد الثاني 2 من سنة 1975م تحت عنوان: “الكُنَّاشات المغربية ودورها في الكشف عن الدفائن التاريخية” وذكر فيها أن أقدم كنَّاشة مذكورة في هذا الباب من فنون السِّجلات كانت للجاديري الفاسي ثم ذكر رحمه الله اسمه الكامل عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن المديوني ت818هـ وأثبت أن هذه الكناشة ما زالت موجودة إلى النصف الأول من القرن الحادي عشر 11هـ وأثبتَ أن أبا حامدٍ محمد العربي الفاسي ت1027هـ قد أفاد منها وأحال عليها بل وأثبت أن الونشريسي استفاد منها في المعيار 8/255 ونقل عنها… فتعجب الشيخ من استرسال المنوني في هذه التدقيقات التاريخية لإثبات أمر نادر يتعلق بمفهوم الكُنَّاشات.. وأن هذا هو عين التحقيق العلمي.. وأفاد الشيخ بشار أن كنوزها يعني الكنانيش أخفى من كنوز المجاميع وبينهما تشابه في بعض الحيثيات؛ ويستحسن للمنقب في المخطوطات وللمحققين الجادِّين أن يكون لهم عناية بهما وصبر شديد عليهما..
ثم ذكر قصةً رائعة نموذجا عن ذلك من مكتبة الكتاني الشهيرة وأثنى على العلامة شيخ شيخنا الحافظ عبد الحي الكتاني رحمه الله بوصفه عالِماً موسوعياً ومحدثاً جهبذاً وكتبيا منقطع النظير في العصر الحديث جدد الله به الصلات وأحيا به علم المخطوطات والأَثبات والفهارس والإجازات.. وأن خزانته تحتوي كنوزاً ما زال الناس يتحدثون عن دررها؛ بل إنه في فترة من اعتنائه بالحافظ المنذري إبان تحقيقه لكتابه العظيم التكملة عزَّ عليه الحصول على عدة أوراق من أول مجلده وكان شيخنا يقدِّر ما فيها بالفراسة والخبرة ولكنه كعادة كبار المحققين لا يهدأ له بال حتى يرى المظنون مُحققا بعين اليقين.. فزار أخاه في الله شيخ الورَّاقين المغاربة شيخنا العلامة المنوني رحمه الله وهو من هو كما سبق؛ فتذاكر معه خبر الحافظ المنذري وكتابه؛ وشكى له مشكلة السقط الواقع في نسخته من المقدمة وبعض التراجم بعدها؛ وأن ذلك عيب لا يمكن تحمُّله في تحقيق الكتاب لما قد تحمله المقدمة من اصطلاح ونحوِه.. فذكر له الشيخ الفتحَ المبين والفائدة العزيزة إذ أخبره بأن الخزانة الملكية في مراكش تحتوي على نسخة نفيسة كاملة من هذا الكتاب وستجد فيها بغيتك بحول الله فقال شيخُنا بشار لشيخنا العلامة المنوني: “كيف السبيل إليها؛ أَغِثنا بها يا مولانا؛ فهذه عِزُّ الطلَب يا سيدي” فقال المنوني تلك الخزانة بعيدة المنال ولا يمكن الوصول إليها إلا بإذن مباشر من جلالة الملك الحسن لأنها لم تفسح بعد.. قال الشيخ بشار فلما كان موعد درسي من الدروس الحسنية في سنة 1985م (كذا أظنه قال) وانتهيت من إلقائه حول “فضل اللغة العربية ومنزلتها من دين الإسلام” ونال استحسان جلالته رحمه الله وتقدمتُ للسلام عليه؛ تشرفت بتقديم أجزاء من تحقيقي لتهذيب الكمال للحافظ المزي ثم سألني جلالته على عادة كرام الملوك في الاحتفاء بالعلماء وإظهار الخدمة والاحترام إن كان لكم من حاجة نقضيها فما كان مني إلا أن دعوت له بالحفظ والبركة وقلت له إن سمح جلالتكم فليس لي رغبة إلا في كتاب يؤرقني والوصولُ إليه يهمني؛ وقد بلغنا من الثقات أن جلالتكم تملكون منه نسخة نفيسة في خزانتكم العامرة بمراكش؛ وأنا أرغب في هذا الكتاب لأَنِّي أشتغل بتحقيقه ومهتم بطباعته ونشره بين أهل العلم وطلبته.. فقال له جلالة الملك على الرحب والسعة من أخبركم بذلك فقلت أفادنيه سيدي المنوني فقال الملك باللسان الدارجي مُتَوَدِّداً كريماً: “أين الفقيه ديالنا عيطو للفقيه” فتقدم الفقيه المنوني فاستفسره الملك -وكان جلالته يعرف خبرته بالباب ويقدره جدا لأنه كان من كبار الفقهاء المفهرسين والحفظة للتراث المغربي وخزائنه المُلوكية والعامة والخاصة- فأقر الشيخ المنوني طِلبةَ الشيخ بشار فما كان من جلالته إلا أن أمره بأن يقف على حاجته حتى تقضى ويظفر بالكتاب فكان كما قال وحصل النسخة واستدرك بها النقص.. والعجيب أنه وجدها كما تخيَّلها ولم يتجاوز النقصُ ما قدّره وهذا من مَلَكته العجيبة في التحقيق؛ فإنه لا يجارى في ذلك لسعة التجربة وطول الزمان وتنوع المصادر فهو يكاد يجزم بالأمر قبل توفر المعطيات فإذا تكاملت كانت كما قال حفظه الله وهذا من توفيق الله له فصار هذا الأمر مخلوطاً بروحه ولحمه ودمه ومشاعرهِ.. يتبع..
( في الحلقة الرابعة نتكلم عن عدم اعتداده بابن الصلاح في الاصطلاح وعمن يجلهم من أهل العلم والصلاح بالمغرب ؟؟؟ ..)
🌴مع تحيات:محبكم/ عادل رفوش/ المشرف العام والمدير العلمي لمؤسسة ابن تاشفين للدراسات والأبحاث والإبداع بمراكش🌴

WhatsApp Image 2018-03-04 at 12.14.08

WhatsApp Image 2018-03-04 at 12.14.09

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *