عِبَرٌ مِنْ مَسِيرَةِ مُلْحِدٍ

🌾{ ..عِبَرٌ مِنْ مَسِيرَةِ مُلْحِدٍ.. }🌾

 

ليس غريباً أن يتصدر الأخبارَ نبأُ موت أحد علماء الفيزياء المشهورين عالميا والذين رُشحوا لنوبل ولم ينالوها ؟؟ ولكن الغريب هو احتفاء منابر عربية بل وإسلامية بذكر الحدَث بعيداً عن تحليله والتنبيه على بعض مَكامِنِهِ..
ومن هذه الزاوية استقبلتُ خبر وفاة الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ لا لأمجده؛ ولا لأسير خلف الإعلام بترويج أخباره؛ ولا لأتكلم عن أفكاره التي أُشبعت بحثاً من طرفِ المتخصصين.. ولكن لأستلخص بعض ما يمكن الاستفادة منه في سيرته ومسيرته بعيداً -ولو قليلاً- عن دوامة التمجيد التي يقودنا إليها الإعلام الكاسد دون شعور ؛ليصنع في مخيلة أجيالنا عظماء ليسوا على معايير أمتِنا بل فيهم مخاطر على مناهج البشرية !!!
1-الأمر الأول: الذي جذبني إليه من قديم: أنه لم تكن قصة ستيفن هوكينغ ملهمةً من ناحية اختراعاته العلمية ومنزلته في العلوم الفيزيائية ونظرياته؛ بل كانت للمعتبرين فيها آياتٌ من حيث امتحانه بفقد السيطرة على الأصبع الرابع من أصابعه؛ وهو الذي كان يبحث كيف سيسيطر على الكون؛ وكان أميلَ إلى الإلحاد قبل أن يدخل فيه جملة إذ صرَّح به معلناً متفاخراً أنه ملحدٌ -عياذاً بالله- حتى صار من أقطابه الذين خُدِع بهم المخدوعون باسم العلم وباسم التحليل الفزيائي والنظريات الكونية.. وكأن رسالة عاجلة خاطبته في جسده لتقول له أنت لا تستطيع السيطرة حتى على أعضائك؛ فإياك أن تتجرأ على الكون وخالقه؛ وحاول السيطرة على مرضك وذاتك قبل الكلام عما وراء الطبيعة وماهيات الكون العميق..!! ولقد بين بعض الباحثين حيرة ستيفن الإلحادية وشذوذها السحيق؛ حتى صارت النظرية الداروينية أسلم منها وأعقل فقال: ((“فكما حاول <داروين> باستماتة أن يستبدل تفسير (الخالق): بخرافة التطور الصدفي والعشوائي في الكائنات الحية – فقد حاول هوكينج بدوره استبدال تفسير (الخالق) بخرافة الأكوان المتعددة Multiverse الصدفية والعشوائية لكي يبرر ظهور كوننا الغاية في الدقة من بينها !! هل تعلمون كم كونا (افترضه) هوكينج بحساباته في كتابه (التصميم العظيم) فقط ليهرب من الاعتراف بالخالق عز وجل وعظمته التي احترمها نيوتن وأنشتين وماكس بلانك وغيرهم من العظماء في الفيزياء ؟؟ إنه (افترض) وجود 10 أس 500 كون !!!!
-أي 10 أس 500 – لمَن لا يعرف من غير المتخصصين – يعني 10 وأمامها 500 صفر !!- وأن هذا ما يتناسب مع نظريته M التي ستجمع كل قوانين الوجود لتمكننا من فهم كل شيء بعيدا عن الخالق !!!))إهـ
2-الأمر الثاني : الذي جذبني في سيرته: بل لأنه تحدى مرضه النادر والغريب؛ والذي عاق حركته في عِزَِّ عنفوان شبابه الجامعي ثم صل به المرض إلى مرحلة الصفرية؛ بحيث انعدم وجوده في عالم الحركة العضوية؛ حتى انتهى إلى درجة انعدام القدرة على الكلام !!!
3-الأمر الثالث: والأعجب أنه لم يستسلم منذ الثلاثين من عمره لتكهنات الأطباء في قصر أجله وتحديد عمره؛ وأن موته قريب لن يتعدى بضعة شهور لا تتجاوز الثلاث سنين؛ فكذبهم القدَرُ الإلهي مرة أخرى -ليعلمهم ويعلمه أيضاً أن للكون قوانين فوق القوانين- فعاش فيلسوف الزمن أزيد من أربعين سنة ليعلموا جميعاً أن الله هو الدهر بيده ملكوت كل شيء وخالق كل شيء يكور الليل على النهار وكل شيء عنده بأجل مسمى وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال فسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين..” بل إن التحدي انبعث في ستيفن حتى تغلب على إعاقته بتطوير أساليب بصريّة تعويضيّة، بما في ذلك رؤية المعادلات بمنظور هندسي.. فلم يصاب بالاكتئاب الذي قد يشعر به البعض نتيجة الإصابة بمرض بسيط وعابر؛ بل أنه خضع لعدد من التجارب ليتمكن من التحكم في كرسيه المتحرك، وطلب مساعدة إحدى الشركات التكنولوجية الكبرى في شهر ديسمبر من عام 2014 الماضي، لتطوير نظام إلكتروني خاص يمكنه من التواصل مع الآخرين عن طريق حركة العينين والرأس.. فينطق بصوت روبوتي من خلال آلة تقرأ حركات حباله الصوتية.. ”
4-الأمر الرابع: أنه اتخذ من هذين الحدثين -مرضُه ونذيرُ الأطباء- دافعاً جعله أكثر تفرغاً وأعمق إنجازاً وأدق تدبراً -لو أنه كان من المسلمين-؛ فما فائدة الأعضاء إن لم تجلب إلا البطالة والأذى والخمول.. ومن جميل وصاياه في هذا السياق قوله لطلابه -ننقله للاعتبار إذ عندنا في شريعتنا وتراثنا بحمد الله ما تُرى معه كلمات ستيفن هذه كأنها كلام صبي عيي تائه-: ( “لِتكنْ هِمَّتُكم دوماً عند منازل النجوم والكواكب، ولا تنظروا تحت أقدامكم. حاولوا فهمَ ما ترون، وتدبروا فيما يجعل هذا الكونَ باقياً؛ كونوا فضوليين في العلم؛ اعلموا أن هناك دائماً شيئاً يمكن فعله، ويكون فيه الفلاح والنجاح، حتى وإن بدا الأمر في أوله صعباً؛ وغاية ما أريد إيصاله هو ألا تتوقفوا عن الاكتشاف والطرح”.) إهـ
5-الأمر الخامس: والأجمل في قصة ستيفن تلك المرأة الرقيقة المسيحية المتعلمة التي أنارت له الدروب بادئ الأمر؛ وكان لها أثر كبير في مواقفه الإنسانية لدعم الطفولة؛ والتظاهر ضد الحرب على العراق وسمى غزو الأمريكان له بأنه “جريمة حرب”؛ ودعا للسلام العالمي ورفض الطغيان الإسرائيلي ضد إخواننا الفلسطينيين.. إنها زوجته الأولى “جين وايلد” التي سقت مشاعر الهمة فيه بالحب وبالاحترام؛ ودعمته بالغرام وبالاهتمام.. وجعلت محنته صغيرةً جدا بدعمها الدائم الكبير.. ويا ليت شعري ماذا يريد المبدعون إلا ذلك؛ وهل لمحركات الحياة وَقودٌ إلا بهِن؛ وهل لأجسادنا روحٌ إلا منهنَّ.. والتي رغم انكسار قلبها بطلاقها منه لم تلبث أن عادت إليه بعد انفصال دام أحد عشر عاماً لتعود لذكرياتها معه بتأليفها كتاباً بعنوان: “الرحلة إلى اللامنتهي.. حياتي مع ستيفن” ولو أن ستيفن كتب عن المرأة في حال الحب والوفاء والوصال؛ وفِي حال البغض والهجران والخيانة؛
لكان أولى له من كتابه الشهير “كتاب الزمن” وبحوثه الفلسفية حول “تاريخ الزمن” وابتداء الزمن وانتهاء الزمن وماهية الزمن.. وخرافات كتابه “التصميم العظيم” والتي رد عليه في كل تفاصيلها عدد من الغربيين حتى وصفها بعضهم بأنها: “..نظرية •البهلوانية الكونية• وأننا نخدع أنفسنا ونغش عالَمنا إن صدقناه..” بل قال البروفسور جون بولكنجهورن وهو من أشهر علماء الفيزياء النظرية: مُسفها أفكاره لحد الاستهزاء: (” إنها –يقصد الأكوان المتعددة– ليست فيزياء إنها في أحسن الأحوال فكرة ميتافيزيقية؛ ولا يوجد سبب علمي واحد للإيمان بمجوعة من الأكوان المتعددة… إن ما عليه العالم الآن هو نتيجة لإرادة خالق يحدد كيف يجب أن يكون ”)إهـ
وقال له في أسلوب استنكاري بليغ الفيزيائي وعالم الفضاء مارسيلو جليسر: ( ”إدعاء الوصول لنظرية نهائية يتنافى مع أساسيات وأبجديات الفيزياء والعلم التجريبي وتجميع البيانات, فنحن ليس لدينا الأدوات لقياس الطبيعة ككل؛ فلا يمكننا ابدا أن نكون متاكدين من وصولنا لنظرية نهائية؛ وستظل هناك دائما فرصة للمفاجآت كما تعلمنا من تاريخ الفيزياء مرات ومرات. وأراها إدعاءً باطلاً أن نتخيل أن البشر يمكن ان يصلوا لشيء كهذا.. ثم ختم خطابه له بقوله: •أعتقد ان على هوكنج أن يدع الله وشأنه•”)إهـ
قلت : وها هو قد أفضى إليه وسيعلم حقَّ اليقين.. وسيرجع إلى الحق المبين أكثر من رجوعه عن فكرة “الثقب السوداء” وعن فكرة “أن الأرض لن تصلح مستقبلاً للعيش؛ وعلى البشر أن يجدوا كوكباً آخر عاجلاً”!
وسيجد من العوالم والأكوان ما لا يقدر قدره إلا الله ولن يصفو له من ظنونه إلا كلمته الشهيرة: “الفلسفة قد ماتت”
🌴مع تحيات:محبكم/عادل رفوش /المشرف العام والمدير العلمي لمؤسسة ابن تاشفين للدراسات والأبحاث والإبداع بمراكش🌴

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-05-20 at 12.24.17

#تباريح_التراويح 3

#تباريح_التراويح 3 #سورة_النساء #ولاتتبدلو_االخبيث_بالطيب 1- ..مما أجمع عليه أهل التفسير تصريحا وتلميحا أنه: ما من ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *