بُشرىٰ للفقهاء

🌾{ ..بُشرىٰ للفقهاء.. }🌾

 

..وصلتني هديةٌ لا ككل الهدايا إذ لا أنفس من العلم؛ فكيف إذا كانت الهدية كتابا من عيون تراث الفقه المالكي؛ يهاديني بها أحد إخواني النبلاء من السادة المالكية الفقهاء؛ أخي الحبيب وسيدي الفقيه فضيلة الشيخ مختار مومن الجزائري صاحب العَرف الناشر في شرح ابن عاشر وشارحُ رسالة ابن أبي زيد القيرواني وغيرها من المؤلفات العذبة الزلالة..
-ولم يكن مفاجئا لي أن تأتيني منه هدية لما استقر عندي من كريم سجاياه ورفيع أخلاقه؛ و لكن المفاجئ أنها كنزٌ طال زمانُ انتظارِه؛ واشرأبت أعناق العلماء لإصدارِه؛ لأنه من أجمع شروح المذهب المالكي التي كُتبتْ على مختصر ابن الحاجب الفُروعي المعروف بجامع الأمهات؛ والذي كان كعبةَ المالكيين قبل ظهور مختصر سيدي الشيخ خليل؛ والذي استفاد هو نفسُه من كتاب ابن الحاجب قبله بل به تخرج؛ بل الشيخُ خليل من كِبار شُرَّاحه في كتابه التوضيح كما هو معروف..
-ويكفي في جلالة جامع الأمهات جلالةُ جامِعه من الأمهات؛ الإمامُ ابن الحاجب وهل تعلو عينٌ على حاجب ؟ إنه تلميذ أبي القاسم ولي الله الشاطبي صاحب الحرز! وإنه شيخ الحافظ عبد العظيم المنذري! ومن بين يديه تخرج الفحول كالقرافي وابن المنيّر..! حتى قال فيه ابن أبي شامة: “كان من أذكى الأئمة قريحة، ركناً من أركان الدين في العلم والعمل، بارعاً في العلوم، متقناً لمذهب مالك بن أنس رضي الله عنه” وقال عنه الذهبي: “كان من أذكياء العالم” وقال ابن كثير: “ساد أهل عصره“..
-ورغم عناية العلماء بمختصره الفقهي -تمييزاً له عن مختصره الأصولي أي في أصول الفقه كما جرت عادة العلماء في التمييز بينهما أعني مختصري الامام ابن الحاجب- وكثرة الشارحين له حتى كان من بينهم الإمام ابن دقيق العيد في شرح عظيم استهله بثناء جليل ودفاع كبير على المُصَنِّف جمال الدين ابن الحاجب ومنزلة مصنَّفه المختصر الجامع..
غير أن هذا الكنزَ الجديدَ الذي خلَّفه العلامة محمد ابن عبد السلام بن يوسف الهواري التونسي (ت749هـ) -وقد تعبنا دهوراً في الرجوع إليه مخطوطاً- هو من أكثرها دقة وتحريراً؛ وهو من العُمَد الكبار في تقرير المذهب المالكي عند المتأخرين؛ ويعد من مفاخر المدرسة المالكية المغربية -كيف لا و الشارحُ أحد كبار شيوخ أبي عبد الله ابن عرفة الورغمي صاحب المختصرات الغزيرة؛ وشيخُ ولي الدين ابن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة؛ فقد كانا -أعني ابن عرفة وابن خلدون- مِن تلاميذه وملازمِيه وبه تَخَرَّجا في الفقه والأصول والحديث، وسندهما في الموطإ عنه أَخَذاهُ وفي منزلِهِ بتونس قَرَآهُ..
-وقد حُلَّي بألقاب الكبار كقاضي الجماعة وشيخ الإسلام؛ وزانه ما كان عليه من ربَّانية وزهادة ومواقف في الحق شُجاعة؛ وما زال الناس يتناقلون من شرحه النفيس هذا عن شبُهات المناصب وما يداخل الضعاف فيها من المصائب والمعايب كلمتَه الصادعةَ إذ يقول: (إن أكثر الخِطط الشرعيةِ في زماننا أسماءٌ شريفةٌ على مُسَمَّياتٍ خَسيسة)!!
-ومن جميل المذكور في سيرته رفضه انقلاب ابن أبي دبُّوس على السلطان المريني؛ رغم احتجاج بعض الفقهاء عليه؛ بأنه مغلوبٌ لا يستطيع الدفاع عن نفسه فقال الشيخ ابن عبد السلام للناس: “فتلزمُ إذاً مناصرتُه والعمل على الوفاء بما شُرِط له عند مبايعته” وأبى أن تقام صلاة الجمعة إلا لصاحب الشرعية في قصة مشهورة آل فيها الأمر إلى عودة الشرعية؛ ولم يخِب الشيخُ في وفائه وحسن نيَّته؛ وهذه الواقعة من الصور المُصححة لدعاوى #فقه_المتغلب المبتدَعَة كما بيناه في غير هذا السياق.. (انظر تاريخ قضاة الأندلس لتلميذه المالقي ص161) (وانظر مقدمة محقق الشرح 1/58) ولهذا وصفه ابن فرحون في الديباج بقوله: “كان إماماً عالماً حافظاً متفنناً..قائماً بالحق ذاباًّ عن الشريعة المطهرة؛ شديداً على الوُلاةِ؛ صارِماً مَهيباً لا تأخذه في الحق لومةُ لائمٍ…”
-تنبيه : ابن عبد السلام شارح جامع الأمهات الذي ذكرناه هنا هو غير محمد ابن عبد السلام بن إسحاق الأموي القاهري المصري! وإنما حصل الاشتباه الشديد بينهما لقرب العصر في القرن الثامن، ولاتفاق الاسم واسم الأب، ولأن كليهما اعتنى بمختصر ابن الحاجب؛ بل إن ابن عبد السلام المصري له عليه ثلاثة كتب:
1-تنبيه الطالب لفهم ابن الحاجب 2-التعريف بالأعلام والمبهمات الواردة في جامع الأمهات 3-غنية الراغب في تصحيح ابن الحاجب فأما الأولان فمطبوعان بعناية المحقق نجيب نفسه وأما الثالث فمفقود.. وأما شرح ابن عبد السلام التونسيفهو الأوسع والأنفس والمعتمد.. وعنه كان حديثُنا مقتضباً للتنويه بطبعته الأولى الجديدة الرائعة التي اعتنى بها عناية فائقة المحقق المشهور ذو الأيادي البيضاء على النفائس المالكية فضيلة الشيخ الجليل أحمد عبد الكريم نجيب وفقه الله وسدد خطاه فلنعم الجهود بذل ولنعم النَّوال عَمَّم.. ولقد دمعت عيناي ورثيتُ لتقصير حالي وأنا أقرأ مقدمته لتحقيقه هذا السفر العظيم إذ قال: “أحتسبُ عند الله حبيبَتَيَّ؛ و أعتذر عن أي خطإٍ إملائي؛ فأنا أملي وغيري يكتب والعهدة على الكاتب” كتب الله أجرك أخي أبا الهيثم وأعلى منزلتك وذخرك فضيلة الشيخ الكريم فلقد أديتَ عن الأمة ديوناً و أفدت العلماء فنوناً والله الكريم شاكر عليم ولتجدن عنده بإذن الله في الدارين الحسنى والبشرى..
وشكراً لأخي الحبيب فضيلة الشيخ مختار مومن العربي على هديته والشكر الجزيل والتقدير الكبير لوزارة الأوقاف القطرية على ما تبذله من جهود متميزة في طباعة الكتب النفيسة والبحوث الجادة خدمةً للعلم وأهله.. والله يتولىٰ الصالحين.. وصلى الله على سيدنا وحبيبنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. والحمد لله رب العالمين..
🌴مع تحيات:محبكم/عادل رفوش /المشرف العام والمدير العلمي لمؤسسة ابن تاشفين للدراسات والأبحاث والإبداع بمراكش🌴

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *