#تباريح_التراويح 3

#تباريح_التراويح 3

#سورة_النساء
#ولاتتبدلو_االخبيث_بالطيب
1- ..مما أجمع عليه أهل التفسير تصريحا وتلميحا أنه: ما من سورة من الكتاب الكريم إلا ولها -موضوع أساس أو مواضيع- وأن عنوانها واسمها التوقيفي هو أحد إشارات مهماتها وأن بين الموضوع و والاسم -تتوزع مفاتيح لمدلولاتها تجري مجرى الجوامع لرسالات السورة في صيغة كلمات كالقوانين سماها العلماء في غير هذا السياق بقواعد القرآن وجوامع كلمه.. ولئن التمسنا في الفاتحة: كلمة “الحمد” وفي البقرة كلمة “هدى للمتقين” وفي آل عمران كلمة “قل صدق الله” كنموذج لتلك الكلمات المفاتيح التي تتمحور حول مددها مواضيع السورة من حِكمٍ ومن أحكام..
فإننا نلتمس في سورة النساء وهي تستفتح بالخطاب العام لكل البشرية؛ وتذكرهم بأصل المنشإ وهو النفس الواحدة التي جعلتنا في الأصل ذوي أرحامٍ مهما تباينت طرائقنا.. وأن خطاب التقوى ليس شيئا مِثالياً يختص به الأتقياء من أنبياء وأولياء؛ بل هو مفهوم احترازي يجب أن يتبناه كل عاقل من البشر ليتفادى كل ضارٍّ في الكون حالاً أو مآلاً.. كما أن خطاب التقوى ليس للجانب التعبدي المجرد بل هو روحاني ميداني “واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام“، وهو إلهي واجتماعي فتتقي الله أن تخالفه وتتقي المجتمع بكل أبعاده فتحرص أن تُساعِفَه حتى في حال وفاتك وذهابك لآخرتك فإنك تحرص أن تبقي تقواك حاضرة في الناس”وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا” (9)..
2- وهذا المفهوم العام للتقوى البشرية الذي ترسيه ابتداء سورة النساء في مختلف الأحوال حتى للفوتِ بعد الموت..
تؤكده بأحد مفاتيحها في عبارة جليلة يجب أن تتخذ قانونا عاما لتمييز ما يرضي الله وما يسخطه، ولتمييز حدود التقوى بكل أنواعها، ولوضع المعيار الأعم بين كل الناس الذين يرجعون في فطرهم الأصلية إلى نفس واحدة، ويجب أن تكون لهم قوانين واحدة توحد أسس مجتمعهم البشري بعيداً عن لعبة الأمم المتحدة❗وعن الاحتكار الجائر في مجلس للأمن وبين دول الفيتو❗؛ فتأتي تلك العبارة المفتاحُ ليقول الله تعالى وهو الرقيب سبحانه لكل البشرية “إن الله كان عليكم رقيباً” “..ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب..” لا خلط بين صالح وطالح ولا بين نافع وضار، ولا بين رشاد وضلال ولا بين فاضل وعاطل.. وهي تعرض مجموعة من الاختيارات المرفوضة: -فإذا كان الخلط بين الضدين مرفوضاً،- فما بالك بالترك للفاضل وللطيب.. -فما بالك بالاستبدال حيث تبيع الطيب لتشتري بدله الخبيث.. إنه انتكاس مرير يُبين أن البشرية حينها لم تعد في ضلال فقط؛ بل إنها استحكمت في السبيل الأضل.. جوراً وخيانة وجهالةً وهذه هي أصول هذا الاستبدال الشنيع؛ فلا يفعله إلا مجتمع استحكمت جاهليته أو خيانته أو اعتداءاته؛ وحقيقة المعيار في عدم الاستبدال هو لزوم أضدادها من المعرفة والأمانة والعدالة..
3- وهذه في حُسباني والله تعالى أعلم هي أهم مفاتيح سورة النساء حيث : 1-تؤصل لطريق المعرفة “وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً“.. 2-و تجسد أخلاق الأمانة في العلم والعمل “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها
4- و تشرح أنماطاً للعدل الذي قامت به السموات والأرض وللعدالة التي جاءت بها شريعة الله في المواريث وغيرها “وكفى بالله حسيباً“.. فسورة النساء تبين الخطوط العريضة للطيب والخبيث في أهم اهتمامات المجتمعات أسرياّّ ودوليا وتركز على المجال المال لأنه الأكثر ظهوراً “ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما“؛ وعلى المجال الدفاعي لأن الأمة بلا روح الجهاد لا يمكن أن تحمي ثوابتها ولا أن تبلغ بارتياح رسالتها “وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً
وبين هذا وذاك ترغب أشد الترغيب ليتوخى الناس الطيب من الأقوال والأحوال، ويترفعوا عن خبيئةِ الشح وخبيثة البخل؛ فيقول الحق سبحانه: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا
ثم يقول وهو يرهب أشد الترهيبِ أولئك الذين تناسوا عدل الله، ولم يطمعوا في حسنات فضله وأجره اللَّدُنِّي العظيم..
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)
5- والمراد من رسالة الْيَوْم التي توخيناها من هذه السورة العظيمة هي أن القرآن يصنع للمؤمن عقلاً رصيناً وفطرةً سليمةً؛ تأبى عليه أن يعيش بلا ميزان يميز بين الخبيث والطيب، ويفرض عليه الانتماء لكل ما هو نافع؛ ويربأ به أن ينصرف للخباثة أو للخبثاء؛ فضْلًا عن أن يفرط في الطيبات والطيبين من أجل الانضواء تحت لواء الخُبْث والخبائث.. وهذه قاعدة تعم كل الأقوال والأفعال والنيات، وتشمل كل الولاءات والتحالفات والانتماءات، وتنتظم كل الاقتراحات وكل المعلومات وكل العلاقات.. فلا تتبدلوا الخبيث بالطيب..
هذه من أجل رسالات سورة النساء الكبرى التي لأمْر ما ثَمَّ ولِسِرٍّ بديعٍ ما؛ ستنفرد عن باقي سُوَر القرآن بكلمات ذات عمق كبير في استكشاف الطيب وتمييزه عن الخبيث في الأنفاس وفي الأشخاص كانفرادها بانفروا ثُباتٍ إذ قال -بين حضه على اتباع المنعم عليهم من الصدِّيقين وتشنيعه على المبطِّئينَ- “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا” تعليماً للتخطيط الاستراتيجي في الكر والفر والاجتماع والافتراق وتبادل الأدوار قال الإمام الطبري رحمه الله: (“وهي جمع ” ثبة “، و ” الثبة “، العصبة. ومعنى الكلام: فانفروا إلى عدوكم جماعة بعد جماعة متسلحين. ومن ” الثبة ” قول زهير:
وَقَــدْ أَغْــدُوا عَــلَى ثُبَـةٍ كِـرَامٍ *** نَشَــاوَى وَاجِــدِينَ لِمَــا نَشَــاءُ
وقد تجمع ” الثبة ” على ” ثُبِين “.. “أو انفروا جميعًا“، يقول: أو انفروا جميعًا مع نبيكم صلى الله عليه وسلم لقتالهم.)إهـ كلامه نور الله ضريحه.. وقال العلامة ابن عاشور رحمه الله: (..ولعلّها نزلت لمجرّد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدوّ، والتحذير من العدوّ الكاشح، ومن العدوّ الكائد… وابتدأ بالأمر بأخذ الحذر. وهي أكبر قواعد القتال لاتّقاء خدع الأعداء. والحِذْرُ: هو توقّي المكروه.
ومعنى ذلك أن لا يغترّوا بما بيَّنهم وبين العدوّ من هدنة صلح الحديبية، فإنّ العدوّ وأنصاره يتربّصون بهم الدوائر، ومن بينهم منافقون هم أعداء في صورة أولياء…) إهـ كلامه قدس الله روحه..
-وكذلك تأتي سورة النساء بانفرادها بكلمة “الإذاعة” في قول الحق “وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به“.. -وانفرادها بذكر الحوب “حوباً كبيراً” ومن أجل الانفرادات ذكر الاستنباط وهو أخو الاستبطان؛ في وجوب إدراك الأغوار من الوحي هجرةً إليه؛ كما في الأرض هجرة إلى حيث “#مُراغَماً كثيراً وسعة” فقال الحق: “لعلمه الذين يستنبطونه منهم” ولا نعلم حرف الاستنباط ذكر في القرآن إلا في هذا الموضع أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83).. ويكفي برهانُ تفرده دليلاً على تفرد أهله؛ وأن الاستنباط من القرآن وتدبره ليس ملعباً عبثياً يتدرب فيه الهُواة بدعوى التدبر الدعوي والخشوع التفاعلي❗.. أويتجرأ عليه السفهاء بدعوى القراءات المعاصرة والتفكيكات الحداثية..❗❗
ولعل من حكم النظم القرآني أنه حينما أمر بالتدبر عقَّبه بذكر خصوص أهل الاستنباط ليُعلم: أَنَّ للعمليةِ أَهليَّةً وليست عَبثيَّةً.. وأن خلاف ذلك هو من اتباع الشيطان الذي سيجد أتباعاً يعبثون بالقرآن من داخله.. “لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً
(نعوذ بالله من الشيطان الرحيم ونعوذ بالله من الضصارة والسيبة وقلة الحيا.. يعلم الله أن نفوسنا تضيق غيرة على كتاب الله.. وعذراً قراءنا الكرام..) والله تعالى أعلم.. والحمد لله رب العالمين.. وصلى الله على الحبيب محمد وآله..
🌴محبكم /عادل بن المحجوب رفوش المشرف العام ل #مؤسسة_ابن_تاشفين 🌴

WhatsApp Image 2018-05-20 at 12.24.17

شاهد أيضاً

WhatsApp Image 2018-07-11 at 23.44.57

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾

🌾 #الفقهُ_هو_السياسةُ..🌾 تحريراتُ العلامة الحنبلي الأشعري نجم الدين الطوفي ت716هـ المشهور بشرحه عَلى الروضة وبمختصره ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *